الموسوعة الفقهية

المطلب الأوَّل: سُنَّةُ الفَجرِ


الفَرْعُ الأولى: فَضلُ سُنَّة الفَجرِ
سُنَّةُ الفجرِ هي آكَدُ السُّننِ الرَّواتبِ، وهذا باتِّفاقِ المذاهب الفقهيَّة الأربعة: الحنفيَّة ((تبيين الحقائق)) للزيلعي، مع ((حاشية الشلبي)) (1/177)، ((البناية)) للعيني (2/546). ، والمالكيَّة ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/14)، ((الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي)) (1/318). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/25، 26)، ((حاشية الجمل على شرح المنهج)) (1/491). ، والحنابلة ((الفروع)) لابن مفلح (2/368)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/125).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن عائشةَ رضِي الله عنها، قالت: ((لم يكُنِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على شيءٍ مِن النوافلِ أَشدَّ تعاهُدًا منْه على رَكعتَي الفجرِ )) رواه البخاري (1169)، ومسلم (724)
2- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ركعتَا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها قال القاري: («ركعتَا الفجرِ خيرٌ من الدنيا وما فيها»، أي: في الدنيا من المالِ والجاه، وما هو دُنيويٌّ، لا الأعمال الصالحة الصادرة من عِباده، وقال الطِّيبي: إنْ حُمل الدنيا على أعراضها وزهرتها، فالخير إمَّا مجرى على زعْم مَن يرى فيها خيرًا، أو يكون من باب: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا **مريم: 73**، وإنْ حُمل على الإنفاق في سبيل الله، فتكون هاتان الركعتان أكثرَ ثوابًا منهما). ((مرقاة المفاتيح)) (3/892). وقال ابن عثيمين: (دليل آكديتها: قول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ركعتَا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها»، الدنيا منذُ خُلقت إلى قيام الساعة بما فيها من كلِّ الزخارف من ذهب وفضة، ومتاع وقصور ومراكب، وغير ذلك، هاتان الركعتان خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ هاتين الركعتين باقيتانِ، والدنيا زائلة). ((الشرح الممتع)) (4/70). ))، وقال أيضًا: ((لهُما أحبُّ إليَّ من الدُّنيا جميعًا)) رواه مسلم (725).
3- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالتْ: ((صلَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العِشاءَ، ثم صلَّى ثمانيَ ركعاتٍ، وركعتينِ جالسًا، وركعتينِ بين النِّداءينِ، ولم يكُن يَدَعُهما أبدًا قال ابن القيِّم: (وكان تعاهدُه ومحافظتُه على سُنَّة الفجر أشدَّ من جميع النوافل؛ ولذلك لم يكُن يدعها هي والوتر سفرًا وحضرًا، وكان في السَّفر يواظب على سُنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السُّنن، ولم ينقل عنه في السفر أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى سنة راتبة غيرهما). ((زاد المعاد)) (1/315). وقال أيضًا: (سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سُنة الفجر تَجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته؛ ولذلك كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص: [قُلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ]، وهما الجامعتان لتوحيدِ العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد). ((زاد المعاد)) (1/316). )) رواه البخاري (1159).
الفَرْعُ الثَّاني: صِفةُ سُنَّة الفجرِ، وما يُقرَأُ فيها والاضطجاع بعدها
المسألة الأولى: صِفةُ سُنَّةِ الفجرِ
يُسنُّ تخفيفُ سُنَّةِ الفجرِ ((المجموع)) للنووي (4/27)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/70).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالت: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخفِّفُ الركعتينِ اللَّتينِ قَبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، حتى إنِّي لأقولُ: هل قرأَ بأمِّ الكتابِ؟ تعني: من شدة تخفيفه إياهما. يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/70). )) رواه البخاري (1171) واللفظ له، ومسلم (724).
2- وعنها أيضًا، قالت: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي ركعتَي الفجرِ إذا سمِعَ الأذانَ، ويُخفِّفُهما )) رواه مسلم (724).
المسألة الثانية: ما يقرأُ في سُنَّةِ الفجرِ
يُسنُّ أن يَقرأَ في الركعة الأولى بـ: قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ [الكافرون]، وفي الثَّانية: بــــــ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، أو في الأولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ... [البقرة: 136] الآية في سورة البقرة، وقُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا... [آل عمران: 64] الآية في سورة آل عِمرانَ ((المجموع)) للنووي (4/27)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/70).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قرأَ في ركعتَي الفجرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ، وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)) رواه مسلم (726).
2- عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقرأُ في ركعتيِ الفجرِ: قولُوا آمنَّا باللهِ وما أُنزِل إلينا [البقرة: 136]، والتي في آلِ عمرانَ: تعالَوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بينَنا وبينَكم [آل عمران: 64] )) رواه مسلم (727).
وفي رواية: عن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كان يقرأُ في ركعتَي الفجرِ في الأُولى منهما: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: 136] الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 52] )) رواه مسلم (727).
المسألة الثَّالثة: الاضطجاعُ بَعدَ سُنَّةِ الفَجرِ
اختلف أهلُ العِلمِ في حكم الاضطجاعِ بعدَ ركعتَي الفجرِ على أقوالٍ، أقواها قولان:
القول الأوّل: يُسنُّ الاضطجاعُ وقيَّده بعضُ السَّلف بالبيتِ دون المسجدِ؛ قال ابنُ حجر: (ذهَب بعضُ السَّلفِ إلى استحبابِها في البيتِ دون المسجد، وهو محكيٌّ عن ابنِ عُمرَ، وقوَّاه بعضُ شيوخنا بأنَّه لم يُنقل عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه فَعله في المسجد، وصحَّ عن ابن عُمر أنَّه كان يَحصِبُ مَن يفعله في المسجد؛ أخرجه ابن أبي شَيبة) ((فتح الباري)) (3/44). وقد سُئِل ابن باز: هل الاضطجاع بعدَ سُنَّة الفجر في المسجد أم في البيت؟ فأجاب: (لا بل في البيت, وفي المسجد لا يضطجع) ((مسائل ابن باز رحمه الله)) لعبد الله الروقي (المجموعة الثانية ص 34). بعدَ ركعتَي الفجرِ اختار بعضُ أهل العلم أنَّ هذا خاصٌّ بمَن يقوم الليل. قال ابنُ العربي: (ولا يضطجع بعد ركعتي الفجر بانتظار الصلاة إلَّا أن يكون قام الليل، فيضطجع استجمامًا لصلاة الصبح، فلا بأسَ به؛ فقد كان يضطجع رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد كان لا يضطجع) ((عارضة الأحوذي)) (2/216). وقال ابن تيمية: (كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصلي بالليل ويوتر، ثم إذا طلع الفجر صلَّى الركعتين ثم صلى الفرض، وكان يضطجع أحيانًا؛ ليستريح إمَّا بعد الوتر وإمَّا بعد ركعتي الفجر) ((مجموع الفتاوى)) (23/203-204). وقال أحمد شاكر: (الأحاديث الواردة في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ظاهرٌ منها أنَّ المراد بها أن يستريحَ المصلِّي بعد طول صلاة الليل؛ لينشط لفريضة الصلاة). ((المحلى)) بتحقيقه (3/200)، وينظر أيضا تعليقه على ((سنن الترمذي)) (2/282). وقال ابنُ عثيمين: (أصحُّ ما قيل في هذا: ما اختاره شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وهو التفصيل، فيكون سُنَّة لمن يقوم الليل؛ لأنه يحتاج إلى أن يستريح). ((الشرح الممتع)) (4/72). ، وهذا مذهبُ الشافعيَّة يُسن عند الشافعيَّة أنْ يضطجع بعد سُنَّة الفجر قبل الفريضة فإنْ لم يفعل فَصَلَ بينهما. يُنظر: ((المجموع)) للنووي (4/27)، ((روضة الطالبين)) للنووي (1/338). ، والحنابلةِ على الأصحِّ ((الفروع)) لابن مفلح (2/368)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/237). ، وبه قالت طائفةٌ مِن السَّلفِ قال ابنُ قُدامةَ: (يُستحبُّ أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جنبِه الأيمن، وكان أبو موسى ورافع بن خديج، وأنس بن مالك يَفعلونه). ((المغني)) (2/94). وقال العراقي: (فيه استحبابُ الاضطجاع بعد ركعتي الفجر وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة، وروى ابنُ أبي شيبة في مصنفه فِعله عن أبي موسى الأشعريِّ، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، ومحمد بن سيرين، وعروة بن الزبير، وذكر ابنُ حزم أنَّ عبد الرحمن بن زيد حكاه في كتاب السَّبعة عن الفقهاء السبعة، وهم: سعيد بن المسيَّب، والقاسم بن محمَّد، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعُبَيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وسليمان بن يسار، وحكَى ابنُ حزم أيضًا عن أبي الدرداء أنه قال: أفصلُ بضجعةٍ بين صلاة الليل وصلاة النهار). ((طرح التثريب)) (3/51، 52).
الأدلة من السُّنَّة:
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالت: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صلَّى ركعتَي الفجرِ اضطجَعَ على شِقِّه الأيمنِ )) رواه البخاري (1160).
2- وعن عائشةَ رضى الله عنها، قالت: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي فذكرتْ صلاةَ الليلِ، ثم قالت: فإذا سكَتَ المؤذِّنُ من صلاة الفجرِ، وتبيَّن له الفجرُ، قام فركَعَ ركعتينِ خفيفتينِ، ثم اضطجعَ على شِقِّه الأيمنِ، حتى يأتيَه المؤذِّنُ للإقامةِ )) رواه البخاري (626)، ومسلم (736).
القول الثاني: لا يُشرَعُ الاضطجاعُ بعدَ ركعتي الفجر، وهذا مذهبُ الحنفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/20، 21)، وينظر: ((العقود الدرية)) لابن عابدين (1/7، 6). ، والمالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/384)، وينظر: ((التاج والإكليل)) للمواق (2/75). ، وروايةٌ عن أحمد قال المرداويُّ: (وعنه لا يُستحبُّ). ((الإنصاف)) (2/126). وقال ابنُ قُدامةَ: (ورُوي عن أحمد: أنه ليس بسُنَّة؛ لأنَّ ابن مسعود أنكره). ((المغني)) (2/94). وقال الأثرم: (سُئل أحمد بن حنبل وأنا أسمعُ عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، فقال: ما أفعله أنا، فإن فَعَله رجل، ثم سكت كأنَّه لم يَعِبْه، قيل له: لمَ لمْ تأخذْ به؟ قال: ليس فيه حديثٌ يثبت). انظر: ((طرح التثريب)) للعراقي (3/54). ، وبه قالت طائفةٌ من السَّلف عن الحسَن: (أنه كان لا يُعجبه الاضطجاعُ بعد ركعتي الفجر). ((عمدة القاري)) للعيني (7/219). قال ابنُ عبد البَرِّ: (ذكَر أبو بكر الأثرم من وجوه، عن ابن عمر، أنَّه أنكره، وقال: إنَّها بدعة، وعن إبراهيم وأبي عُبَيدة وجابر بن زيد أنَّهم أنكروا ذلك). ((التمهيد)) (8/126). وقال ابنُ قُدامةَ: (أنكره ابن مسعود، وكان القاسم، وسالم، ونافع لا يَفعلونه. واختُلِف فيه عن ابن عمر). ((المغني)) (2/94). وقال العيني: (وممَّن كره ذلك من التابعين: الأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي: وقال: هي ضجعةُ الشيطان، وسعيد بن المسيَّب، وسعيد بن جُبَير، ومن الأئمَّة: مالك بن أنس، وحكاه القاضي عياضٌ عنه وعن جمهورِ العلماء). ((عمدة القاري)) (7/219). وقال العراقيُّ: (عن سعيد بن المسيَّب ما بال أحدكم إذا صلَّى الركعتين يتمرَّغ؟! يكفيه التسليم، وعن سعيد بن جبير النهيُ عنها، وعن الحسن البصري أنَّه كان لا يُعجبه ذلك، وعن الأسود بن يَزيد أنه كان إذا صلَّى ركعتي الفجر احتبَى. وحكى ابن عبد البر إنكارَ الضجعة أيضًا عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، وجابر بن زيد، وحكاه القاضي عياضٌ عن مالك وجمهورِ العلماء). ((طرح التثريب)) (3/53). ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ قال ابن بَطَّال: (وذهَب جمهورُ العلماء إلى أنَّ هذه الضجعة إنما كان يفعلها للراحةِ مِن تعَبِ القيام، وكرهوها) ((شرح صحيح البخاري)) (3/151). ، واختارَه ابنُ بَطَّالٍ قال ابن بطَّال: (هذا الحديثُ يُبيِّن أنَّ الضجعة ليست بسُنَّة، وأنها للراحة، فمَن شاء فعلها ومَن شاء تركها، ألا ترى قولَ عائشة: فإن كنتُ مستيقظةً حدَّثني وإلَّا اضطجع؛ فدلَّ أن اضطجاعه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنما كان يفعله إذا عدم التحدُّث معها؛ ليستريح من تعِبِ القيام، وفي سماع ابن وهب، قيل: فمَن ركع ركعتي الفجر؛ أيضطجع على شقه الأيمن؟ قال: لا، يُريد لا يفعله استنانًا؛ لأنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يجعله استنانًا، وكان ينتظر المؤذِّن حتى يأتيه) ((شرح صحيح البخاري)) (3/152). ، وعليه فتوى اللَّجنة الدَّائمة يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الثانية)) (11/21).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
1- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصلِّي بالليلِ إحْدَى عَشرةَ ركعةً يُوتِر منها بواحدةٍ، فإذا فرَغ اضطجَعَ على شِقِّه الأيمنِ، حتى يأتيَه المؤذِّنُ فيُصلِّي ركعتينِ خفيفتينِ )) رواه مسلم (736).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الحديثَ مَخرجُه واحدٌ، فإذا ترجَّح أنَّ الاضطجاعَ المذكورَ فيه إنَّما كان قبلَ أذان الفجرِ، ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ هذا الاضطجاع سُنَّة، فكذا الاضطجاعُ بعدَ الركعتينِ قال العراقيُّ: (جواب هذا من وجهين: أحدهما: أنَّ رواية مالك في هذا هي المرجوحة؛ فإنَّ سائر الرواة عن الزهري وغيره إنما ذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، فكانت تلك الرواية شاذَّةً؛ لمخالفتها لأكثرِ الرِّوايات الصحيحة... قال البيهقيُّ عقب ذِكر الروايتين: (والعدد أَوْلى بالحفظ من الواحد)... وذكر ابن عبد البر أنَّ أهل الحديث أَنكروا على مالكٍ روايتَه الاضطجاعَ قبل الفجر، وخالفه أصحابُ الزهري كلُّهم فجعلوا الاضطجاعَ بعد ركعتي الفجر لا بعد الوتر. ثانيهما: بتقدير صِحَّة رواية مالك، فلا تنافي بين الروايتين؛ فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام كان يضطجع مرَّتين؛ إحداهما: بعد الوتر للاستراحةِ من طول القيام، وهو الذي رواه مالك، والثانية: بعد ركعتي الفجر للنَّشاط لصلاة الصبح والتطويلِ فيها، وهو الذي رواه الأكثرون؛ قال ابنُ عبد البَرِّ: ويمكن أن يكونَ اضطجاعه مرةً كذا ومرةً كذا). ((طرح التثريب)) (3/54، 55).
2- عن عائشةَ رضى الله عنها، قالت: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صلَّى ركعتَي الفجرِ، فإنْ كنتُ مستيقظةً حدَّثَني وإلَّا اضطجعَ قال النوويُّ: (وقولها: «حدَّثني وإلَّا اضطجع» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يضطجع يسيرًا ويُحدِّثها، وإلَّا فيضطجع كثيرًا. والثاني: أنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بعض الأوقات القليلة كان يترك الاضطجاع؛ بيانًا لكونه ليس بواجبٍ، كما كان يترك كثيرًا من المختارات في بعض الأوقات بيانًا للجوازِ، كالوضوء مرةً مرةً، ونظائره، ولا يلزم من هذا أن يكون الاضطجاع وتركه سواء، ولا بدَّ من أحد هذين التأويلين للجمْع بين هذه الرواية ورِوايات عائشة السابقة، وحديث أبي هريرة المصرِّح بالأمْرِ بالاضطجاع). ((المجموع)) (4/29). )) رواه البخاري (1161)، ومسلم (743).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ هذا يدلُّ على أنه ليس سُنَّةً، فتارةً كان يَضطجِعُ قبلُ، وتارةً بعدُ، وتارةً لا يضطجعُ ((طرح التثريب)) للعراقي (3/55).
ثانيًا: أنَّ الاضطجاعَ - على تقديرِ ثُبوتِه - لم يكن على سبيلِ القُربة، وإنَّما هو من الأفعالِ الجِبليَّة التي كان يفعلها للاستراحةِ وإجمام البَدنِ، لا سيَّما على مذهبِ مَن يرى أنَّ الفعل المجرَّد إنَّما يدلُّ على الإباحةِ خاصَّةً ((طرح التثريب)) للعراقي (3/54، 55).

انظر أيضا: