موسوعة اللغة العربية

تمهيدٌ: النُّدبةُ


تعريفُ النُّدْبَةِ: نداءٌ موجَّهٌ للمُتفَجَّعِ عليه، أو للمتوجَّعِ منه. والمندوب: هو المذكورُ بعد «يا» أو «وا» تفجُّعًا لفقْدِه حقيقةً أو حكمًا، أو توجُّعًا لكونِه محلَّ ألمٍ أو سَبَبَه يُنظَر: ((تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد)) لابن مالك (ص: 185). .
وتُستعمَلُ (وا) في النُّدبةِ أصلًا؛ فهي مختصَّةٌ بها، ولا تأتي مع غيرها، وقد تأتي (يا) على قِلَّةٍ.
ولا يجوزُ حَذفُ حَرفِ النُّدبةِ مُطْلَقًا، بل يجِبُ ذِكرُه.
وحكمُ المندوبِ في الإعرابِ حُكمُ المنادى؛ فيُبْنى على ما يُرفَعُ به إن كان مُفرَدًا علمًا، ويُنصَبُ إن كان مضافًا أو شبيهًا بالمضاف، وكذلك إن كان نكرةً مقصودةً موصوفةً؛ فإنها تُلحَقُ بالشَّبيهِ بالمضافِ، أمَّا النَّكِرةُ غيرُ المقصودةِ فلا تجوزُ في النُّدبةِ؛ إذ لا يجوزُ أن تقولَ مَثَلًا: وا رَجُلاه، لِرَجُلٍ غَيرِ مُعَيَّنٍ.
وأمثِلةُ ذلك أن تَقولُ: وا عُمَرُ، وا كبدَ أمِّي، وا رافعًا رايةَ المجدِ؛ فعمر: منادى مَبْنيٌّ على الضَّمِّ، كبد: منادى مضافٌ منصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفَتحةُ الظَّاهِرةُ، رافعًا: منادى شبيهٌ بالمضافِ منصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفَتحةُ الظَّاهِرةُ.
ومن أمثِلة النَّكِرةِ المقصودةِ قَولُ الشَّاعِرِ في رثاءِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه:
وا إمامًا خاضَ أرجاءَ الوغى
يصرَعُ الشِّركَ بسَيفٍ لا يُفَلُّ
إمامًا: منادى منصوبٌ، وعَلامةُ نَصبِه الفتحةُ؛ لأنَّه نكرةٌ مقصودةٌ موصوفةٌ، فأشبهت الشَّبيهَ بالمضافِ يُنظَر: ((توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك)) للمرادي (3/ 1121)، ((النحو الوافي)) لعباس حسن (4/ 93). .
ولا يجوزُ نُدبةُ اسمِ الإشارةِ والموصولِ بصِلةٍ لا تُعَيِّنُه؛ فلا يقالُ: وا هذاه، ولا: وا مَن ذَهَباه. وإنما يجوزُ نُدبةُ الاسمِ الموصولِ إن كانت صِلَتُه تُشهِرُه. تَقولُ: وا مَن حَفَر بِئرَ زَمْزَماه، وا مَن فتَحَ مِصْرَاه... يُنظَر: ((شرح ألفية ابن مالك)) لابن الناظم (ص: 420)، ((ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب)) لأبي حيان الأندلسي (5/ 2215). .
والغالِبُ في النُّدبةِ أن يُختَمَ آخِرُ المندوبِ بألفٍ زائدةٍ تتَّصِلُ بآخِرِه، إما حقيقةً؛ كقَولِك: وا عُمَرَاه، وا محمَّداه، أو حُكمًا بعد المُضافِ إلى المندوبِ؛ كقَولِك: وا عبدَ الرَّحِيماه، وا صاحِبَ القَلَماه.
ومنه قَولُ الشَّاعِرِ:
فوا كَبِدا من حُبِّ من لا يحِبُّني
ومِن عَبَراتٍ ما لهُنَّ فَنَاءُ
فَإن كانَ الحَرفُ الَّذي قَبلَ أَلف النُّدبَة أَلفًا حُذِفَ. تَقُولُ: وَا عيسَاهُ، وَا مُصطَفَاهُ، وَا مَوسَاهُ.
وَيُعرَبُ المَندُوبُ بَعدَ دُخُول الأَلفِ وَالهَاء كما يُعرَبُ قَبلَهَا، فَيَكُونُ مَنَادًى مَبنيًّا عَلَى الضَّمِّ المُقَدَّرِ لانشغَالِ المَحَلِّ بحَرَكَة الأَلفِ الزَّائدَةِ للنُّدبَةِ، وَالهَاءُ للسَّكتِ، أَو مَنَادًى مَنصُوبًا، وَعَلَامَةُ نَصبِه الفَتحَةُ المُقَدَّرَةُ مَنعَ من ظُهُورِها حَرَكَةُ الأَلف الزَّائدةِ للنُّدبَةِ، وَالهَاءُ للسَّكتِ.
وَهَذه الهَاءُ الَّتي بَعدَ أَلفِ النُّدبةِ هيَ هَاءُ السَّكتِ، وَلَا تُزَادُ إلَّا عندَ السَّكتِ جوازًا؛ فَيجُوزُ الوَقفُ عَلَى (وَا زَيدَا) بغَير الهَاء، لَكنَّ الأَكثَرَ مَجيئُها.

انظر أيضا: