موسوعة اللغة العربية

المَطْلَبُ الرابعُ: حَذفُ المُضافِ وإقامةُ المُضافِ إليه مَقامَه


كثيرًا ما يُحذَفُ المضافُ ويقومُ المُضافُ إليه مَقامَه في الإعرابِ، بشَرْطِ أن تَدُلَّ القرينةُ على المحذوفِ، وألَّا يختَلَّ السِّياقُ؛ فمن ذلك قَولُه تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: 93] ؛ فالأصل: أُشرِبوا حُبَّ العِجلِ، وقَولُه تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [يوسف: 82] ، أي: اسأل أهلَ القَريةِ؛ فإنَّ العِجْلَ نَفْسَه لا يُشرَبُ في القُلوبِ بل حُبُّه، والقَرية -جُدرانًا وبيوتًا وأرضًا- لا تُسْألُ.
وإذا كان المُضافُ إليه مُضافًا جاز أن يُحذَفَ الأوَّلُ والثَّاني ويبقى المُضافُ إلى المُضافِ إليه، كقَولِه تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [طه: 96] ؛ فإنَّ أصلَها: من أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسولِ، فحُذِفَ المضافُ "حافر" والمُضافُ إليه "فرس" وتُرِكَ المُضافُ إلى المُضافِ إليه. ومنه قَولُه تعالى: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب: 19] ، أي: تدورُ أَعيُنُهم كدَوَرانِ عَينِ الذي يُغْشى عليه.
وقد يُحذَفُ المضافُ ويبقى المُضافُ إليه على إعرابِه من الجَرِّ، بشَرْطِ أن يكونَ مَعطوفًا على مِثْلِه، كقَولِ أبي دُؤادَ الإياديِّ:
أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرأً
ونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نارَا
فحَذَف "كُلَّ" في مَطلَعِ الشَّطرِ الثَّاني من البيتِ، وتَرَك المُضافَ إليه "نار" مجرورةً كما هي؛ لأنَّها معطوفةٌ على مِثْلِها، وهو قَولُه: "أكلَّ امرِئٍ".
ومنه قَولُهم: ما كُلُّ سوداءَ تمرةً، ولا بَيضاءَ شَحمةً؛ بجرِّ (بَيضاءَ) مع حَذفِ المضافِ قَبْلَها "كُل"؛ لعَطْفِها على مِثْلِها.
فإنْ لم يأتِ عَطفٌ لم يَجُزْ، وكانت شاذَّةً لا يُقاسُ عليها، كقِراءةِ ابنِ جمازٍ: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: 67] بجَرِّ "الآخرة" مع حَذفِ المضافِ يُنظَر: ((المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها)) لابن جني (1/ 281). ؛ فإنَّ أصلَها: واللهُ يُريدُ عَمَلَ الآخرةِ، فحُذِفَ المضافُ وتُرِكَ المُضافُ إليه على ما هو، ولم يتقَدَّم عَطفٌ يَصِحُّ حَملُ المُضافِ إليه عليه يُنظَر: ((توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك)) للمرادي (2/ 819)، ((إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك)) لبرهان الدين ابن القيم (1/ 507). .
ولا يَحصُلُ ذلك الحذفُ اختيارًا من غيرِ ضَرورةٍ أو غَرضٍ مَعنويٍّ أو بلاغيٍّ ينظر: ((معاني النحو)) للسامرائي (3/137). .

انظر أيضا: