موسوعة اللغة العربية

المَطْلَبُ التَّاسِعُ: الشِّعْرُ الدِّينيُّ


كانَ للشِّعْرِ الدِّينيِّ نَصيبٌ كَبيرٌ مِن المَوْروثِ الأدَبيِّ الَّذي وَصَلَنا مِن الأنْدَلُسِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ كَثيرًا مِن النَّاسِ لم يَنْخدِعْ بشَهَواتِ الدُّنْيا ومَلذَّاتِها، ولم تُغْرِه النِّعَمُ والعَطايا إلى اللَّهْوِ والانْصِرافِ إلى المُجونِ والعَبَثِ، بلْ بادَروا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَغَّبوا النَّاسَ عن الدُّنْيا، وحَضُّوهم على العَمَلِ للآخِرةِ.
ولم يكنِ العُبَّادُ والعُلَماءُ وَحْدَهم مَن يَخْتَصُّونَ بِهذا النَّوْعِ الأدَبيِّ، بلْ شارَكَهم في ذلك سائِرُ النَّاسِ، حتَّى إنَّ بعضَ الخُلَفاءِ الأُمَوِيِّينَ كانَ زاهِدًا في الدُّنْيا على عَظيمِ ما عنْدَه مِن الخَيْرِ والمُلْكِ، وهو الأميرُ عبْدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ الَّذي تَولَّى حُكْمَ الأنْدَلُسِ خَمْسةً وعِشرينَ عامًا انْتَهَتْ بوَفاتِه، يقولُ:
يا مَن يُراوِغُه الأجَلْ
حتَّامَ يُلْهيك الأمَلْ
حتَّامَ لا تَخْشى الرَّدى
وكأنَّه بك قد نَزَلْ
أغَفَلْتَ عن طَلَبِ النَّجا
ةِ ولا نَجاةَ لمَن غَفَلْ
هَيْهاتَ يَشغَلُك الرَّجا
ءُ ولا يَدومُ لك الشَّغَلْ [731] يُنظر: ((الحلة السيراء)) لابن الأبار (1/ 122).
وكما لم تُلْهِ الإمارةُ صاحِبَها عن الزُّهْدِ في الدُّنْيا، فإنَّ وَزيرًا مِثلَ أبي مُحمَّدِ بنِ حَزْمٍ الفَقيهِ الظَّاهِريِّ، لم يكُنْ ليَنْخدِعَ بمِثلِ تلك الألْقابِ والمَناصِبِ عن مَعْرفةِ حَقيقةِ الدُّنْيا؛ ولِهذا كانَت له أشْعارٌ وقَصائِدُ في الزُّهْدِ وذَمِّ الدُّنْيا، ومِنها قَوْلُه:
أعارَتْك دُنْيا مُسْتَرَدٌّ مُعارُها
غَضارةَ عَيْشٍ سوف يَذْوي اخْضِرارُها
وهلْ يَتَمنَّى المُحكَمُ الرَّأيِ عيشةً
وقد حانَ مِن دَهْمِ المَنايا مَزارُها
وكيف تَلَذُّ العَيْنُ هَجْعةَ ساعةٍ
وقد طالَ فيما عايَنَتْه اعْتِبارُها
وكيف تَقَرُّ النَّفْسُ في دارِ نَقْلةٍ
قد اسْتَيْقَنَتْ أن ليس فيها قَرارُها
وأنَّى لها في الأرْضِ خاطِرُ فِكْرةٍ
ولم تَدْرِ بَعْدَ المَوْتِ أين مَحارُها
أليس لها في السَّعْيِ للفَوْزِ شاغِلٌ
أمَا في تَوَقِّيها العَذابَ ازْدِجارُها
فخابَتْ نُفوسٌ قادَها لَهْوُ ساعةٍ
إلى حَرِّ نارٍ ليس يُطْفى أُوارُها
لها سائِقٌ حادٍ حَثيثٌ مُبادِرٌ
إلى غيْرِ ما أضْحى إليه مَدارُها
تُرادُ لأمْرٍ وهْي تَطلُبُ غيْرَه
وتَقصِدُ وَجْهًا في سِواه سِفارُها
أمُسرِعةٌ فيما يَسوءُ قِيامَها
وقد أيْقَنَتْ أنَّ العَذابَ قِصارُها
تُعَطِّلُ مَفْروضًا وتُغْنى بفَضْلةٍ
لقد شَفَّها طُغْيانُها واغْتِرارُها
إلى ما لها مِنه البَلاءُ سُكونُها
وعمَّا لها مِنه النَّجاحُ نِفارُها
وتُعرِضُ عن رَبٍّ دَعاها لرُشْدِها
وتَتْبَعُ دُنْيا جَدَّ عنها فِرارُها
فيا أيُّها المَغْرورُ بادِرْ برَجْعةٍ
فلِلَّهِ دارٌ ليس تُخمَدُ نارُها
ولا تَتَخيَّرْ فانِيًا دونَ خالِدٍ
دَليلٌ على مَحْضِ العُقولِ اخْتِيارُها
أتَعلَمُ أنَّ الحَقَّ فيما تَرَكْتَه
وتَسلُكُ سُبْلًا ليس يَخْفى عَوارُها
وتَتْرُكُ بَيْضاءَ المَناهِجِ ضَلَّةً
لبَهْماءَ يُؤْذي الرِّجْلَ فيها عِثارُها
تُسَرُّ بلَهْوٍ مُعْقَبٍ بنَدامةٍ
إذا ما انْقَضى لا يَنْقَضي مُسْتَثارُها
وتَفْنى اللَّيالي والمَسَرَّاتُ كلُّها
وتَبْقى تِباعاتُ الذُّنوبِ وعارُها
فهلْ أنت يا مَغْبونُ مُسْتيقِظٌ فقدْ
تَبيَّنَ مِن سِرِّ الخُطوبِ اسْتِتارُها
فعَجِّلْ إلى رِضوانِ رَبِّك واجْتَنِبْ
نَواهيَه إذ قد تَجَلَّى مَنارُها [732] يُنظر: ((طوق الحمامة)) لابن حزم (ص: 302).
وقدْ كانَ ابنُ عبْدِ رَبِّه -صاحِبُ العِقْدِ الفَريدِ- كذلك مَيَّالًا إلى الزُّهْدِ، وله فيها نَظْمٌ كَثيرٌ، بلْ إنَّه نَظَمَ قَصائِدَه "المُمَحِّصاتِ"، وهي قَصائِدُ نَظَمَها على وَزْنِ وقافِيةِ قَصائِدَ أخرى كانَ قد نَظَمَها في شَبابِه في الغَزَلِ، أرادَ أن تكونَ تلك القَصائِدُ مُمَحِّصةً لذُنوبِه [733] يُنظر: ((جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب)) للهاشمي (2/ 174)، ((تاريخ الأدب العربي)) لشوقي ضيف (8/ 188). . ومِن ذلك قَوْلُه:
ألَا إنَّما الدُّنْيا غَضارةُ أيْكةٍ
إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
هي الدَّارُ ما الآمالُ إلَّا فَجائِعٌ
عليها ولا اللَّذَّاتُ إلَّا مَصائِبُ
وكم سَخَنَتْ بالأمْسِ عَيْنٌ قَريرةٌ
وقَرَّتْ عُيونٌ دَمْعُها اليَوْمَ ساكِبُ
فلا تَكْتحِلْ عَيْناك فيها بعَبْرةٍ
على ذاهِبٍ مِنها فإنَّك ذاهِبُ [734] ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (3/ 123).
ويَتَّصِلُ بذلك الشِّعْرِ الَّذي يَدْعو إلى الزُّهْدِ والسَّعْيِ للآخِرةِ والاسْتِعدادِ لها ذلك الشِّعْرُ الَّذي يَتَعلَّقُ بمَدْحِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد كانَتْ بَواعِثُ ذلك المَدْحِ أمورًا مُخْتلِفةً؛ مِنها التَّدَيُّنُ وحُبُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو الباعِثُ الأوَّلُ، ومِنها الإنْشادُ في احْتِفالاتِ المَولِدِ النَّبَويِّ في العَصْرِ الغَرْناطيِّ الَّتي كانَ يَحضُرُها السُّلْطانُ والعُلَماءُ والعامَّةُ، ومِنها ما حَلَّ بالمُسلِمينَ مِن السُّقوطِ والتَّردِّي حتَّى سَقَطَتِ الأنْدَلُسُ تَمامًا، وحينَئذٍ لم يكنِ النَّاسُ يَرَونَ مَلجَأً مِمَّا هُمْ فيه ولا خَلاصًا إلَّا التَّوسُّلَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -وإن كانَ لا يَجوزُ شَرْعًا- وتَقْديمَ ذلك بمَدْحِه، على عادةِ الشُّعَراءِ في ذلك.
ومِن هذا المَديحِ قَوْلُ لِسانِ الدِّينِ بنِ الخَطيبِ:
‌إذا ‌أنت ‌شافَهْتَ ‌الدِّيارَ بطيبةٍ
وجِئْتَ بها القَبْرَ المُقدَّسَ واللَّحْدا
وآنَسْتَ نورًا مِن جَنابِ مُحمَّدٍ
يُجلِّي القُلوبَ الغُلْفَ والأعْيُنَ الرُّمْدا
فنُبْ عن بَعيدِ الدَّارِ في ذلك الحِمى
وأذْرِ به دَمْعًا وعَفِّرْ به خَدَّا
وقُلْ يا رَسولَ اللهِ عبْدٌ تَقاصَرَتْ
خُطاهُ وأضْحى مِن أحِبَّتِه فَرْدا
ولم يَسْتَطِعْ مِن بَعْدِ ما بَعُدَ المَدى
سِوى لَوْعةٍ تُعْتادُ أو مِدْحةٍ تُهْدى
تَدارَكْه يا غَوْثَ العِبادِ برَحْمةٍ
فجودُك ما أجْدى وكَفُّك ما أنْدى
أجارَ بك اللهُ العِبادَ مِن الرَّدى
وبَوَّأَهم ظِلًّا مِن الأمْنِ مُمْتدَّا
حَمى دينُك الدُّنْيا وأقْطَعَك الرِّضا
وتَوَّجَك العُليا وألْبَسَك الحَمْدا
وطَهَّرَ مِنك القَلْبَ لمَّا اسْتَخَصَّهُ
فجَلَّلَهُ نورًا وأوْسَعَهُ رُشْدا
دَعاه فما وَلَّى هَداهُ فما غَوى
سَقاهُ فما يَظْما جَلاهُ فما يَصْدا
تَقَدَّمْتَ مُخْتارًا تَأخَّرْتَ مَبعَثًا
فقد شَمِلَتْ عَلياؤُك القَبْلَ والبَعْدا
وعِلَّةُ هذا الكَوْنِ أنت وكلُّ ما
أعادَ فأنت القَصْدُ فيه وما أبْدا
وهل هو إلَّا مَظهَرٌ أنتَ سِرُّهُ
ليَمْتازَ في الخَلْقِ المُكِبُّ مِن الأهْدى
ففي عالَمِ الأسْرارِ ذاتُك تَجْتَلي
مَلامِحَ نورٍ لاحَ للطُّورِ فانْهَدَّا
وفي عالَمِ الحِسِّ اغْتَدَيْتَ مُبَوَّأً
لتَشْفي مَن اسْتَشْفى وتَهْدي مَن اسْتَهْدى
فما كنْتَ لولا أن ثَبَتَّ هِدايةً
مِن اللهِ مِثلَ الخَلْقِ رَسْمًا ولا حَدَّا
فماذا عَسى يُثْني عليك مُقَصِّرٌ
ولم يَألُ فيك الذِّكْرَ مَدْحًا ولا حَمْدا
بماذا عَسى يَجْزيك هاوٍ على شَفا
مِن النَّارِ قد أوْرَدْتَه بَعْدَها الخُلْدا
عليك صَلاةُ اللهِ يا كاشِفَ العَمى
وَمُذْهِبَ لَيلِ الرَّوْعِ وهْو قد ارْبَدَّا [735] ينظر: ((نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)) للتلمساني (6/453)، ((تاريخ الأدب العربي)) لشوقي ضيف (8/ 372).
وقال ابنُ العَريفِ:
‌وحَقِّك ‌يا ‌مُحمَّدُ ‌إنَّ ‌قَلْبي
يُحِبُّك قُرْبةً نَحْوَ الإلهِ
جَرَتْ أمْواهُ حُبِّك في فُؤادي
فهامَ القَلْبُ في طيبِ المِياهِ
فصِرْتُ أرى الأمورَ بعَيْنِ حَقٍّ
وكنْتُ أرى الأمورَ بعَيْنِ ساهِ
إذا شُغِفَ الفُؤادُ به وِدادًا
فهلْ يَنْهاهُ عن ذِكْراهُ ناهِ
يَهيمُ بذِكْرِه ويَحِنُّ شَوْقًا
حَنينَ المُسْتهامِ إلى المَلاهي
يُخامِرُه ارْتِياحٌ مِنه حتَّى
يقولَ أُولو الجَهالةِ: ذاك لاهي
وما هو حَقُّ فَضْلٍ قد رآه
فصارَ يَجِدُّ في طَلَبِ المَلاهي
فسوف يَنالُ في الدُّنْيا سُرورًا
وفي الدَّارِ الأخيرةِ كُلَّ جاهِ [736] ينظر: ((نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب)) للمقري التلمساني (7/ 497).
وقد تَوالى المَدْحُ وكَثُرَ حتَّى إنَّ بعضَهم مَدَحَ نَعْلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنْشَدَ شِعْرًا في التِّمْثالِ الَّذي صَنَعَه الأنْدَلُسيُّونَ على أوْصافِ النَّعْلِ في كُتُبِ الحَديثِ والسِّيرةِ، واعْتَقَدوا في تَقْبيلِه دُخولَ الجنَّةِ واسْتِحقاقَ الشَّفاعةِ؛ ولِهذا لمَّا سَمِعَتْ أمُّ السَّعْدِ القُرْطُبيَّةُ قَوْلَ القائِلِ:
سأَلْثُمُ التِّمْثالَ إن لم أجِدْ
لِلَثْمِ نَعْلِ المُصْطَفى مِن سَبيلْ
أكْمَلَتْ على الفَوْرِ:
لعلَّني أحْظى بتَقْبيلِه
في جنَّةِ الفِرْدَوسِ أسْنى مَقيلْ
في ظِلِّ طوبى ساكِنًا آمِنًا
أُسْقى بأكْواسٍ مِن السَّلْسَبيلْ
وأمْسَحُ القَلْبَ به علَّهُ
يُسْكِنُ ما جاشَ به مِن غَليلْ
فطالَما اسْتَشْفى بأطْلالِ مَن
يَهْواه أهْلُ الحُبِّ مِن كلِّ جيلْ [737] يُنظر: ((نزهة الجلساء في أشعار النساء)) للسيوطي (ص: 29)، ((نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب)) للتلمساني (4/ 166).
وقدْ تَرتَّبَ على الغُلُوِّ في الزُّهْدِ والمَدْحِ -فَضْلًا عمَّا أحْدَثَتْه كُتُبُ الفَلْسفةِ والمَذاهِبُ الفَلْسفيَّةُ في المُسلِمينَ- ظُهورُ تَيَّارٍ آخَرَ مِن الشِّعْرِ الدِّينيِّ، وهو شِعْرُ المُتَصوِّفةِ، والمُرادُ بالتَّصوُّفِ هنا التَّصوُّفُ الفَلْسفيُّ المَبْنيُّ على اعْتِقاداتِ الحُلولِ والاتِّحادِ ونَحْوِ ذلك، لا التَّصوُّفُ الَّذي عَرَفَه أبْناءُ الرَّعيلِ الأوَّلِ مِن التَّابِعينَ، الَّذي كانَ مُرادِفًا للزُّهْدِ والاسْتِغْناءِ عن شَهَواتِ الدُّنْيا ومَلَذَّاتِها.
وقدْ كانَ أوَّلُ ظُهورٍ لذلك التَّصوُّفِ في الأنْدَلُسِ على يَدِ ابنِ مَسرَّةَ، وهو فَيْلَسوفٌ ذاعَ صيتُه في الأنْدَلُسِ، وكَثُرَ أتْباعُه، غيْرَ أنَّ حُكَّامَ الأنْدَلُسِ وفُقَهاءَها لم يَقْبَلوا قَوْلَه، بلْ كَفَّروه وأتْباعَه لمَسائِلَ خاضَ فيها؛ إذ كانَ يَزعُمُ هو وتَلامِذتُه أنَّه لا قِيامةَ، وأنَّ مَن ماتَ قامَتْ قِيامتُه، دونَ أن يكونَ ثَمَّةَ زَلْزَلةٌ أو بَعْثٌ أو صِراطٌ أو نَحْوُ ذلك!
وقدِ اسْتَشْرى خَطَرُ التَّصوُّفِ الفَلْسفيِّ على يَدِ الهالِكِ ابنِ عَرَبي وأمْثالِه، وقدْ أكْثَرَ ابنُ عَرَبي مِن نَظْمِ الشِّعْرِ حَوْلَ قَضيَّةِ الحُبِّ الإلهيِّ، غيْرَ أنَّه واجَهَ مُشْكِلةً -بحسَبِ زَعْمِه- وهي أنَّه كيف يَسْتخْدِمُ اللُّغةَ البَشَريَّةَ في التَّعْبيرِ عن اللهِ تعالى وعن حَقيقةِ حُبِّه له؛ إذ ليسَتْ توجَدُ لُغةٌ إلهيَّةٌ يُمكِنُه اسْتِخْدامُها في ذلك؛ ولِهذا عَدَلَ إلى اسْتِخْدامِ لُغةِ الحُبِّ البَشَريِّ، فاسْتَخدَمَ ألْفاظَ الحُبِّ والعِشْقِ والهَجْرِ والوَصْلِ، وكذلك الخَمْرُ والشُّرْبُ والسُّكْرُ والنَّشْوى، وأسْماءُ المَحْبوباتِ، مِثلُ لَيلى وسَلْمى وزَينبَ ورَبابَ وغيْرِها [738] يُنظر: ((محاضرات في الفنون الأدبية بالأندلس)) لشعبان مرسي (ص: 142). .
فمِن شِعْرِه في ذلك قَوْلُه:
سَلامٌ على سَلْمى ومَن حَلَّ بالحِمى
وحَقٌّ لمِثْلي رِقَّةً أن يُسَلِّما
وماذا عليها أن تَرُدَّ تَحيَّةً
علينا ولكنْ لا احْتِكامَ على الدُّمى
سَرَوْا وظَلامُ اللَّيلِ أرْخى سُدولَه
فقلْتُ لها صَبًّا غَريبًا مُتَيَّما
فأبْدَتْ ثَناياها وأوْمَضَ بارِقٌ
فلم أدْرِ مَن شَقَّ الحَنادِسَ مِنهما
وقالَتْ أمَا يَكْفيه أنَّي بقَلْبِهِ
يُشاهِدُني مِن كُلِّ وَقْتٍ أمَا أمَا [739] يُنظر: ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (3/ 439).
وقدْ صَرَّحَ بنفْسِه بأنَّه لا يُريدُ مِن ذِكْرِ المَحاسِنِ والتَّغزُّلِ إلَّا الحُبَّ الإلهيَّ بقَوْلِه:
كلُّ ما أذْكُرُه مِن طَلَلٍ
‌أو ‌رُبوعٍ ‌أو ‌مَغانٍ ‌كُلُّ ‌ما
أو نِساءٍ كاعِباتٍ نُهَّدٍ
طالِعاتٍ كشُموسٍ أو دُمى
صِفةٌ قُدْسيَّةٌ عُلْويَّةٌ
أعْلَمَتْ أنَّ لصِدْقي قَدَما
فاصْرِفِ الخاطِرَ عن ظاهِرِها
واطْلُبِ الباطِنَ حتَّى تَعْلَما [740] يُنظر: ((تاريخ الأدب العربي)) لشوقي ضيف (8/ 366).
وقَوْلِه:
الرَّبُّ حَقٌّ والعَبْدُ حَقٌّ
يا ليت شِعْري مَن المُكلَّفْ
إن قلْتُ عبْدٌ فذاك رَبٌّ
أو قلْتُ رَبٌّ أنَّى يُكلَّفْ [741] ((الفتوحات المكية)) لابن عربي (1/15).
ومِن شِعْرِهم أيضًا قَوْلُ ابنِ سَبعينَ:
مَن كانَ يُبْصِرُ شأنَ اللهِ في الصُّوَرِ
فإنَّه شاخِصٌ في أنْقَصِ الصُّوَرِ
بلْ شأنُه كَوْنُه بلْ كَوْنُهُ كُنْهُهْ
‌فإنَّه ‌جُمْلةٌ ‌مِن ‌بعضِها ‌وَطَرِي
إيهٍ فأبْصَرَني إيهٍ فأُبْصِرُهُ
فلا تَقُلْ ليَ إنَّ النَّفْعَ في الضَّرَرِ [742] ينظر: ((العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)) للفاسي (5/6).
وشِعْرُ الصُّوفيَّةِ مُغرِقٌ في الرَّمْزيَّةِ والإبْهامِ، لا يَكادُ يَفهَمُه غيْرُهم، ولا يَبينُ المُرادُ به إلَّا بَعْدَ شَرْحِه وتَفْسيرِه، ومِن ذلك أنَّه لمَّا قالَ ابنُ عَرَبي:
يا مَن يَراني ولا أراهُ
‌كم ‌ذا ‌أراهُ ولا يَراني
 قالَ ابنُ عَرَبي: قالَ لي بعضُ إخْواني لمَّا سَمِعَ هذا البَيْتَ: كيف تقولُ: إنَّه لا يَراك، وأنتَ تَعلَمُ أنَّه يَراك؟! فقلْتُ له مُرْتَجِلًا:
يا مَن يَراني مُجْرِمًا
ولا أراهُ آخِذا
‌كم ‌ذا ‌أراهُ مُنْعِمًا
ولا يَراني لائِذا [743] ينظر: ((نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب)) للتلمساني (2/169).

انظر أيضا: