موسوعة اللغة العربية

المَطْلَبُ الثَّاني: مِن حيثُ المَعاني والأخْيِلةُ


أثَّرَتِ الحَياةُ ومُسْتجِدَّاتُها في الشِّعْرِ العبَّاسيِّ، فجاءَ الشِّعْرُ مُواكِبًا لمُسْتجِدَّاتِ الحَياةِ، فتَنَوَّعَتِ المَعاني، واتَّسَعَتِ الأفْكارُ، وانْفَسَحَ المَجالُ لأخْيلةِ الشُّعَراءِ، فجادَتْ تَشْبيهاتُهم وأخْيِلتُهم.
كما جاءَتِ المَعاني نِتاجَ عُمْقِ التَّفْكيرِ وبَراعةِ التَّحْليلِ وكَثْرةِ الاسْتِطرادِ وتَرْتيبِ الأفْكارِ، فجَعَلوا مَعانيَهم مَزيجًا مِن المَعاني القَديمةِ والمَعاني الَّتي أمْلاها عليهم عَصْرُهم، فكانَتِ المَعاني الشِّعْريَّةُ عنْدَهم على ضَرْبَينِ: أحَدُهما: مَعانٍ قَديمةٌ جَدَّدوا فيها بقَدْرِ الحاجةِ، وتَصَرَّفوا فيها بما توحيه بيئتُهم وحَضارتُهم، وما يمليه تَفْكيرُهم وثَقافتُهم، وتَدَخَّلوا فيها بالزِّيادةِ والنَّقْصِ، والإيجازِ والإطْنابِ، والإجْمالِ والتَّفْصيلِ، والتَّوْليدِ والتَّحْليلِ، والدِّقَّةِ والاسْتِدْراكِ، حتَّى صَبَغوها بصِبْغةِ عَصْرِهم وكَسَوْها بحُلَّةِ زَمانِهم.
والآخَرُ: مَعانٍ جَديدةٌ ابْتَكَروها ابْتِكارًا، واسْتَحْدَثوها وأضْفوا بها لَمْسةَ جَمالٍ وصِبْغةَ حُسْنٍ على قَصائِدِهم؛ ليَسيروا في رَكْبِ الحَضارةِ، ويُواكِبوا مُستَجِدَّاتِ الزَّمانِ، خاصَّةً في الأغْراضِ الَّتي ابْتَكَروها؛ كالخَمْريَّاتِ والتَّغزُّلِ في الغِلْمانِ.
كما أثَّرَتِ الحَضارةُ على الأخْيِلةِ الشِّعْريَّةِ، فأمَدَّتِ الشِّعْرَ بالخَيالِ الخِصْبِ والفِكْرِ العَميقِ والمَعنى الدَّقيقِ، ولوَّنَتْه بألْوانٍ زاهيةٍ كَثُرَتْ فيها التَّشْبيهاتُ والاسْتِعاراتُ، وصَبَغَتْه بصِبغاتٍ طَريفةٍ، وأعانَتْهم الحَضارةُ العَقْليَّةُ بأفْكارِها العَميقةِ وخَيالاتِها المُبْدعةِ وتَصاويرِها الفَنِّيَّةِ، فأتَوا بكلِّ عَجيبٍ يَبهَرُ ببَراعةِ الوَصْفِ ويَسحَرُ برَوْعةِ التَّصْويرِ [622] ينظر: ((الأدب العربي)) لمُحمَّد عبد المنعم خفاجي (ص: 124). .

انظر أيضا: