موسوعة اللغة العربية

الفَصْلُ العاشِرُ: الممارَسةُ والتَّمْرينُ


لا تُغْني فِطْرةُ الكاتِبِ ومَوهِبتُه عن مُدارسةِ العُلومِ الَّتي لها تَعَلُّقٌ بالكِتابةِ والإنشاءِ، كذلك لا تُثمِرُ الدِّراسةُ شَيئًا إذا لم يَكُنِ الدَّارِسُ مَوهوبًا مَفْطورًا على التَّعبيرِ والكِتابةِ، ومِنَ البَديهيِّ أنَّ الطَّبْعَ والدِّراسةَ لا يُؤْتيانِ أُكُلَهما من أوَّلِ جَرْيةِ قَلمٍ، بل لا بُدَّ مِنَ الممارَسةِ والتَّعَهُّدِ والتَّمْرينِ والتَّرْييضِ، كما قال خالِدُ بنُ صَفوانَ: (إنَّما اللِّسانُ عُضْوٌ إنْ مرَّنْتَه مَرُنَ، فهو كاليَدِ تُخَشِّنُها بالممارَسةِ، وكالبَدَنِ تُقَوِّيه برَفعِ الحَجَرِ، والرِّجْلِ إذا عُوِّدَت المَشْيَ مَشَت) [75] يُنظر: ((الوسيط في قواعد الإملاء والإنشاء)) لعمر الطباع (ص: 162). .
قال ضياءُ الدِّينِ ابنُ الأثيرِ: (يجِبُ على المبتَدِئِ في هذا الفَنِّ والمترَشِّحِ له إذا آتاه اللهُ عزَّ وجَلَّ طبعًا مُجيبًا، وقَريحةً مُواتيةً، وكان مُستَكْمِلًا لِمَعرفةِ ما يجِبُ على المؤلِّفِ مَعرِفَتُه -ممَّا أشَرْنا إليه في صَدْرِ هذا الكِتابِ- أن يأخُذَ رِسالةً مِنَ الرَّسائِلِ، أو قَصيدةً مِنَ الشِّعْرِ، يَقِفُ على معانيها، ويتدَبَّرُ أوائِلَها وأواخِرَها، ويُقَرِّرُ ذلك في قَلْبِه، ثُمَّ يكَلِّفُ نَفْسَه عَمَلَ مِثْلِها ممَّا هو في معناها، ويأخُذُ تلك الألفاظَ الَّتي فيها، ويُقيمُ عِوَضَ كُلِّ لَفْظةٍ لَفْظةً مِن عِنْدِه تَسُدُّ مَسَدَّها، وتُؤَدِّي المعنى المندَرِجَ تَحْتَها، ولا يزالُ كذلك حتَّى يأتيَ على آخِرِها، ثمَّ بَعْدَ فَراغِه منها يَشتَغِلُ بتَنقيحِ ألفاظِها وتجويدِها، وارتباطِ بَعْضِها ببَعضٍ، فإذا استتَمَّ عَمَلُه انتَقَل منه إلى غَيرِه، وفَعَل فيه فِعْلَه أوَّلًا، ولا يزالُ على هذه القَدَمِ يُدمِنُ في مُعارَضةِ الرَّسائِلِ إن كان كاتبًا، أو في معارَضةِ القصائِدِ إن كان شاعِرًا، حتَّى يحصُلَ له بذلك الدُّرْبةُ الوافِرةُ، وتتمَرَّنَ قَريحتُه عليه، أو يعتادَ خاطِرُه هذا الأمرَ اعتيادًا زائِدًا، ولا ينبغي له أن يكونَ قانِعًا من ذلك بالقَليلِ، ولا راضيًا بمَعْرِفةِ الطَّريقِ دونَ سُلوكِه إيَّاه مِرارًا كثيرةً، وخِبْرَتِه بسَهْلِه وحَزْنِه، وقَريبِه وبَعيدِه، فإذا تدَرَّب واعتاد، وصار ذلك له خَليقةً وطَبْعًا، تفرَّعَت عنده المعاني وانقَدَحَت في خاطِرِه، فتَسهُلُ عليه حينَئِذٍ صياغتُها، وإبرازُها فيما يَليقُ بها مِنَ اللِّباسِ. وهذا أنفَعُ الطُّرُقِ وأكثَرُها فائِدةً لِمَن يَرومُ الدُّخولَ في زُمْرةِ الكُتَّابِ والشُّعَراءِ، لا تَجِدُ أيُّها المنتَصِبُ لهذه الصِّناعةِ طَريقًا يُجْدي عليك مِنَ النَّفْعِ ما يُجْديه هذا الطَّريقُ؛ فاعْرِفْه) [76] يُنظر: ((الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور)) لابن الأثير (ص: 26). .

انظر أيضا: