موسوعة اللغة العربية

الفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ: أهمِّيَّةُ عِلمِ الأصْواتِ في الدِّراساتِ اللُّغويَّةِ


عِلمُ الأصْواتِ أحدُ فُروعِ عِلمِ اللُّغةِ؛ لِذا كان مِنَ الضَّروريِّ الاهْتِمامُ به في الدِّراساتِ اللُّغويَّةِ حتَّى قال أحدُ أساتِذةِ الأصْواتِ: (مِنَ الصَّعبِ أن تكونَ لُغويًّا دون أن يكونَ لديك مَعْرِفةٌ مَتينةٌ في عِلمِ الأصْواتِ) [476] ((علم الأصوات)) برتيل مالمبرج، تعريب د. عبد الصبور شاهين (ص268). .
كما تَبرُزُ أهمِّيَّةُ عِلمِ الأصْواتِ في دِراسةِ لُغتِنا العَربيَّةِ وعُلومِها، فتُراثُنا زاخِرٌ بمَباحِثِ هذا العِلمِ، ويُمكِنُ إيجازُ أهمِّيَّةِ عِلمِ الأصْواتِ في النِّقاطِ التَّاليةِ:
(1) خِدمةُ القُرآنِ الكَريمِ؛ فإنَّ دِراسةَ الأصْواتِ هي جُزءٌ مِن عِلمِ التَّجْويدِ الَّذي يَدرُسُ مَخارِجَ الحُروفِ وصِفاتِها؛ لِذلك كان أكْثَرُ النَّاسِ الَّذين حمَلوا عِبءَ هذه الدِّراساتِ وتَولَّوا رِعايتَها: عُلَماءَ التَّجْويدِ [477] يُنظَر: ((علم الأصوات)) لكمال بشر (ص579). .
(2) تَعْليمُ اللُّغةِ؛ فمُتعلِّمُ اللُّغةِ سَواءٌ اللُّغةُ القَوميَّةُ واللُّغةُ الأجْنبيَّةُ يَحتاجُ إلى التَّمكُّنِ مِن إبْرازِ دَقائِقِ أصْواتِ اللُّغةِ والفُروقِ بَينَ الأصْواتِ المُتَشابِهةِ؛ لأنَّ طَريقةَ نُطقِ الإنْسانِ ليست خاصَّة به وحْدَه، بل هو أمرٌ مُتعلِّقٌ بكلِّ مَنْ يَستَمِعُ إليه.
فاللُّغةُ ألْفاظٌ ومَعانٍ، والمَعاني مَنوطةٌ بالألْفاظِ، وبقدْرِ اسْتِيفاءِ اللَّفظِ لحَقِّه في الأداءِ يكونُ اسْتِكمالُه التَّعْبيرَ عن جَوانِبِ مَعْناه.
ومَنْ أراد تَعلُّمَ لُغةٍ أجْنبيَّةٍ فإنَّه يَجبُ أن يُعوِّدَ نفْسَه على نُطْقِ الأصْواتِ الأجْنبيَّةِ بدِقَّةٍ كما يَنطِقُها أبْناءُ اللُّغةِ نفْسِها، ولا يَكتفي في ذلك بالأصْواتِ الغَريبةِ عن لُغتِه، بل النِّظامِ الصَّوتيِّ كلِّه بما في ذلك التَّنْغيمُ والنَّبْرُ وغيرُهما مِنَ الظَّواهِرِ المُوسيقيَّةِ.
(3) دِراسةُ اللُّغةِ، اللُّغةُ كما يُعرِّفُها ابنُ جنِّي «أصْواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغْراضِهم» [478] ((الخصائص)) لابن جني (1/ 34). ؛ فالأصْواتُ هي اللَّبِناتُ الَّتي تُشكِّلُ اللُّغةَ، وتَنْتَظِمُ فيها الكَلِماتُ والجُملُ، وتَتوقَّفُ مَعْرِفةُ النِّظامِ الصَّرفيِّ والنَّحْويِّ للُّغةِ على مَعْرِفةِ نِظامِها الصَّوتيِّ.
(4) تَعْليمُ الصُّمِّ ومُعالَجةُ عُيوبِ النُّطْقِ والسَّمْعِ، سواءٌ كانت خَصائِصَ نُطقيَّةً، أو نَقْصًا في السَّمْعِ، أو ما يَخصُّ النِّظامَ العَصَبيَّ المَركزيَّ، فقد أصْبَح في التَّخصُّصاتِ العِلميَّةِ اسْتِخدامُ عِلمِ الأصْواتِ في مُعالَجةِ عُيوبِ النُّطْقِ الَّتي تُسبِّبُ حَرَجًا اجْتِماعيًّا لمن أُصِيبوا بذلك، كتَدْريبِ مَنْ يُخطِئُ في نُطْقِ الرَّاءِ العَربيَّةِ النُّطْقَ الصَّحيحَ عن طَريقِ شَرْحِ طَريقةِ نُطْقِها، ومَكانِ اتِّصالِ طَرَفِ اللِّسانِ بسَقْفِ الحَلْقِ.
كما خصَّص عِلمُ الأصْواتِ جُهدًا كَبيرًا لمُساعدةِ الصُّمِّ على الكَلامِ كي يَسْتطيعوا إنْتاجَ إشاراتٍ صَوتيَّةٍ مَفْهومةٍ، ويَفْهموا الإشاراتِ المُرْسَلةَ إليهم، فيكونُ التَّدْريبُ على الإدْراكِ وقِراءةِ الكَلامِ وليس مُجرَّدَ تَعْليمِ الكَلامِ [479] يُنظَر: ((دِراسة الصوت اللُّغوي)) لأحمد مختار عمر (ص407). .
(5) تَصْنيعُ أجْهِزَةِ الاتِّصالاتِ الحَديثةِ، بعد الاكْتِشافاتِ الَّتي حقَّقها عِلمُ الأصْواتِ الأكوستيكيُّ، اهتمَّ المُصنِّعون بعِلمِ الأصْواتِ اللُّغويِّ في إعْدادِ أجْهِزَةِ الاتِّصالاتِ والأجْهِزَةِ الصَّوتيَّةِ المُختلِفةِ؛ لأنَّ هذه الأجْهِزَةَ مُصنَّعةٌ خِصِّيصَى للتَّعامُلِ معَ الصَّوتِ البَشريِّ، فإذا أراد شَخْصٌ صُنعَ آلةٍ قادِرةٍ على نَقْلِ اللُّغةِ المُتكلَّمةِ فلا بُدَّ أن يَعرِفَ الخَصائِصَ الفيزيائيَّةَ للعِلَلِ والسَّواكِنِ؛ لكي يكونَ جِهازُه قادِرًا للاحْتِفاظِ بكلِّ الذَّبْذَباتِ التَّشْخيصيَّةِ لهذه الأصْواتِ [480] يُنظَر: ((دِراسة الصوت اللُّغوي)) لأحمد مختار عمر (ص407). .



انظر أيضا: