موسوعة اللغة العربية

المبحث الخامِسُ: ما نَوعُ التَّجْريداتِ الَّتي يَقومُ بها عِلمُ اللُّغةِ في سَبيلِ دِراستِه؟ وما أسُسُها؟ وما مَيدانُها؟ وما مَداها؟


مِنَ المُسلَّمِ به أنَّه لا بُدَّ لعِلمِ اللُّغةِ، كما أنَّه لا بُدَّ لأيِّ عِلمٍ، مِن أنْ يُفرِدَ أو يَعزِلَ أو يُجرِّدَ شيئًا ما ليَدرُسَه، وماهيَّةُ اللُّغةِ تُوجِبُ أن يكونَ ثَمَّةَ أكْثَرُ مِن مُسْتوًى للدِّراسةِ؛ فاللُّغةُ مِن حيثُ كونُها أصْواتًا يَدرُسُها عِلمُ الأصْواتِ اللُّغويَّةِ، وله وَسائِلُه الخاصَّةُ به. وتَكْوينُ الأصْواتِ في مَقاطِعَ وكَلِماتٍ وجُمَلٍ على أصْواتٍ مُعيَّنةٍ يُدرَسُ تحت اسمِ: المورفولوجيا: Morphology، والنَّظْمِ: Syntax، أي: تحت اسمِ النَّحْوِ.
ودِراسةُ اللُّغةِ من حيثُ إنَّها كَلِماتٌ تدُلُّ على مَعانٍ، مَوضوعُها عِلمُ الدَّلالةِ: Semantics، ولعِلمِ الدَّلالةِ مَنهَجُه ووَسائِلُه؛ فهو يَعْتمِدُ على دِراسةِ الصَّوتِ، ولكنَّه يُدخِلُ في اعْتِبارِه عَناصِرَ غيرَ لُغويَّةٍ؛ كشَخصيَّةِ المُتكلِّمِ، وشَخصيَّةِ السَّامِعين، وكالحاضِرين، وظُروفِ الكَلامِ... إلخ، وثَمَّةَ مَنهَجٌ لدِراسةِ المَعْنى مِنَ النَّاحيةِ الوَصْفيَّةِ، ومَنهَجٌ لدِراسةِ المَعْنى مِنَ النَّاحيةِ التَّطوُّريَّةِ، انْظرِ الفَصْلَ الخاصَّ بعِلمِ الدَّلالةِ.
أمَّا المَسائِلُ العامَّةُ، مِثلُ عَلاقةِ اللُّغةِ بالفِكرِ، واللُّغةِ مِن حيثُ نَشْأتُها وتَطوُّرُها، وانْقسامِ اللُّغةِ إلى لَهَجاتٍ، وانْبِثاقِ لُغةٍ عامَّةٍ عن لَهْجةٍ أو عن مَجْموعةٍ مِنَ اللَّهَجاتِ، فلكلٍّ منها اعْتِباراتُها الخاصَّةُ الَّتي يَنْبغي أنْ تُراعى.
ومِن أهمِّ ما تُعْنى به الدِّراسةُ اللُّغويَّةُ الحَديثةُ التَّمييزُ بَينَ دِراسةِ لُغةٍ ما في مَرْحَلةٍ مُعيَّنةٍ مِن مَراحِلِ تَطوُّرِها، أي: دِراستُها دِراسةً وَصْفيَّةً: Descriptive أو حالَ اسْتِقرارِها: Synchronistic Synchronic أو ثَباتِها:Static - وبَينَ دِراستِها مِن النَّاحيةِ التَّاريخيَّةِ: Historical أوِ التَّطوُّريَّةِ: Dynamic أوِ الحَرَكيَّةِ: Diachronistios Diacronie.
والنَّظريَّةُ الكلاسيكيَّةُ في اللُّغةِ تَقومُ على أساسٍ مَنطِقيٍّ أو رِياضيٍّ أو نَفْسيٍّ أو آلِيٍّ تُؤدِّي إلى اعْتِبارِ اللُّغةِ مِرآةً يَنْعكسُ عليها الفِكرُ، أو أداةً عاكِسةً للفِكرِ، أو مُسْتودَعًا للفِكرِ المُنْعكِسِ، أو وَسيلةً لتَجْسيمِ الفِكرِ أوِ التَّعْبيرِ عنه، إلى أشْباهِ هذا، أي: إنَّ وَظيفةَ اللُّغةِ عند أصْحابِ هذه النَّظريَّةِ هي التَّفاهُمُ أو تَوصيلُ الفِكرِ أوِ التَّعْبيرُ عن الفِكرِ، ولكنَّ هذه الطَّريقةَ لا تُمكِّنُ مِن تَحْليلِ جَميعِ أشْكالِ السُّلوكِ الكَلاميِّ: Speech Behaviour، فليس ثَمَّةَ تَوصيلٌ للفِكرِ في أنْواعٍ كَثيرةٍ مِنَ الوَظائِفِ الكَلاميَّةِ: Speech Functions؛ كالمُونولوج، ولا تَوصيلٌ للفِكرِ في اسْتِعمالِ اللُّغةِ في السُّلوكِ الجَماعيِّ: Choric Behaviour؛ كالصَّلاةِ والدُّعاءِ، وفي اسْتِعمالِ اللُّغةِ في المُخاطَباتِ الاجْتِماعيَّةِ الَّتي تَسْتهدِفُ غايةً؛ كلُغةِ التَّحيَّاتِ، وفي التَّلذُّذِ بالأصْواتِ واللَّعِبِ بها، والأصَحُّ والأدَقُّ أنْ نَنظُرَ إلى اللُّغةِ على أنَّها وَظيفةٌ اجْتِماعيَّةٌ: Social Function، على أنَّها طَريقةٌ مِنَ العَمَلِ:Mode of Action [147] يُنظَر: ((علم اللغة مقدمة للقارئ العَربي)) لمحمود السعران (ص: 70). .

انظر أيضا: