موسوعة اللغة العربية

المبحث الرَّابِعُ: تَصوُّراتٌ لِسانيَّةٌ اجْتِماعيَّةٌ مُختلِفةٌ


يَبْدو التَّصوُّرُ اللِّسانيُّ الاجْتِماعيُّ واضِحًا عند ويليام لابوف (Labov) الَّذي كان يَشْتغِلُ على المَحْكيِّ الشَّفَهيِّ بشَكْلٍ خاصٍّ، وكذا عالِمُ الاجْتِماعِ الأمْريكيُّ غوفمان (Goffman) الَّذي كان يُعْنى بالمُحادَثةِ الحِواريَّةِ.
ولعلَّ هذا التَّصوُّرَ هو الَّذي قاد للحَديثِ عن مُسْتوياتٍ مُختلِفةٍ في صِلتِها بالتَّغييراتِ الَّتي تَطرَأُ على اللُّغةِ في داخِلِ المُجْتمَعِ، وهي على أرْبَعةِ أصْنافٍ:
1- تَغْييراتٌ تاريخيَّةٌ مُرْتبِطةٌ بعامِلِ الزَّمَنِ.
2- تَغْييراتٌ مَكانيَّةٌ تَتَّصِلُ بالتَّوزيعِ الجُغْرافيِّ للُّغةِ، وبحسَبِ المَناطِقِ والجِهاتِ.
3- تَغْييراتٌ ذاتُ صِلةٍ بأشْكالِ اسْتِعمالاتِ اللُّغةِ ومُسْتوياتِها بالنَّظرِ إلى الطَّبيعةِ الاجْتِماعيَّةِ-الاقْتِصاديَّةِ للنَّاطِقين بتلك اللُّغةِ.
4- تَغْييراتٌ يَتحكَّمُ بها السِّياقُ الاجْتِماعيُّ، وهذا يَضَعُنا أمامَ سِجلَّاتٍ مُختلِفةٍ للُّغةِ مُرْتبِطةٍ بمُناسَبةِ الحَديثِ والمُسْتوى الثَّقافيِّ للمُتكلِّمِ اللُّغويِّ [101] يُنظَر: ((علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية)) لعبد الكريم بوفرة (ص:14). .
ويُمكِنُ الحَديثُ أيضًا عن الطَّبَقاتِ اللُّغويَّةِ في عَلاقتِها بالطَّبَقاتِ الاجْتِماعيَّةِ، والتَّمييزِ بَينَ الجُملةِ المِعْياريَّةِ والجُملةِ الشَّعْبيَّةِ، كما تَحدَّث شارل فيركسون (Charles Ferguson) عن مُسْتويَينِ مِنَ اللُّغةِ: المُسْتوى العالي (العَربيَّةُ الفُصْحى مَثلًا)، والمُسْتوى المُتدنِّي (العامِّيَّاتُ واللَّهَجاتُ المُتفرِّعةُ عنِ العَربيَّةِ الفُصْحى مَثلًا).
وقد اعْتَرف أندري مارتيني (A.Martinet) في نِهايةِ مِشْوارِه العِلميِّ، بأنَّ اللُّغةَ فِعلٌ اجْتِماعيٌّ بامْتِيازٍ، وأنَّ اللِّسانيَّاتِ كلَّها هي لِسانيَّاتٌ اجْتِماعيَّةٌ [102] يُنظَر: ((علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية)) لعبد الكريم بوفرة (ص:18). ، وسار في الاتِّجاهِ نفْسِه ديل هيمس (Dell Hymes)) الَّذي جعَل ما أسْماه المَلَكةَ التَّواصُليَّةَ أساسَ التَّصوُّرِ القائِمِ على رَبْطِ اللُّغةِ بمُحيطِها الاجْتِماعيِّ، وذلك وَفقَ نَموذَجٍ أُطلِقَ عليه تَسْميةُ: S.P.E.A.K.I.N.G
ويُمكِّنُ هذا النَّموذَجُ مِنِ اسْتِيعابِ أشْكالِ التَّغْييرِ الثَّقافيَّةِ الحاصِلةِ في الأنْساقِ التَّواصُليَّةِ عامَّةً، فنحن أمامَ نَموذَجٍ يُتيحُ لنا إمْكانيَّةَ مُقارَنةِ دَورِ الخِطابِ في داخِلِ مُجْتمعاتٍ بَشريَّةٍ مُخْتلِفةٍ [103] يُنظَر: ((علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية)) لعبد الكريم بوفرة (ص:18). .
ويَتكوَّنُ هذا النَّموذَجُ مِنَ العَناصِرِ الأساسيَّةِ التَّاليةِ:
1- الإطارُ (المَكانُ، والزَّمانُ، وأجْواءُ الخِطابِ).
2- المُشارِكون (الشَّخْصيَّاتُ الحاضِرةُ والمُتفاعِلةُ).
3- الأهْدافُ (هَدَفُ اللِّقاءِ).
4- الأفْعالُ أوِ المَنْتوجُ (الرَّسائِلُ).
5- الإيقاعاتُ (الصَّوتُ، والنَّغْمةُ، وإيقاعُ الرَّسائِلِ...).
6- الوَسائِلُ التَّواصُليَّةُ (اللُّغةُ المَنْطوقةُ، واللُّغةُ المَكْتوبةُ، واللُّغةُ المَنْشودةُ والمُغنَّاةُ،...).
7- المَعاييرُ (المُثاقَفَةُ والتَّناصُّ والحِواريَّةُ...).
8- الأجْناسُ أو أنْواعُ الخِطابِ (الحِكاياتُ، والتَّاريخُ، والمَلاحِمُ، والمآسي...).
واعْتِمادًا على هذه المُرتكَزاتِ الَّتي تَربِطُ البِنْيةَ اللُّغويَّةَ بسِياقِها الاجْتِماعيِّ والتَّواصُليِّ، يَصعُبُ الفَصْلُ بَينَ اللِّسانيَّاتِ أو سِياقِها كما يقولُ Philippe Blanchit: فيليب بلانشي [104] يُنظَر: مقال على موقع الألوكة: https://www.alukah.net/sharia/0/88751/_ftnref7 .
ويُعَدُّ Antoine Millet: أنطوان مييي (1857-1936)؛ تِلْميذُ فرديناند دي سوسير (F.De.Saussure)، مِنَ اللُّغويِّينَ الفَرنسيِّينَ الأوائِلِ الَّذين تَحدَّثوا عنِ الطَّابَعِ الاجْتِماعيِّ للُّغةِ، وقد اعْتَبر اللُّغةَ حَدَثًا اجْتِماعيًّا، مُتأثِّرًا في ذلك بإميل دوركايم (Emile Durkheim). وقد أثْبَت أنَّ الدِّراسةَ اللِّسانيَّةَ الحَقيقيَّةَ هي الَّتي تَجمَعُ بَينَ ما هو سانكرونيٌّ وما هو دياكرونيٌّ، أي: بَينَ ما هو لُغَويٌّ وما هو اجْتِماعيٌّ تاريخيٌّ تَطوُّريٌّ، ضِمْنَ نِظامٍ مُتَكامِلٍ يَجمَعُ بَينَ اللُّغةِ وظَواهِرِ المُجْتمَعِ.
وهناك باحِثونَ آخَرونَ تَبنَّوا المَنْظورَ الماركسيَّ في تَحْليلِ اللُّغةِ برَبْطِها بالمُجْتمَعِ، كما عندَ ماركس، وأنجلز، ومارسيل كوهن (Marcel Cohen)، وبول لافارج (Paul Lafarge) الَّذي درَس اللُّغةَ الفَرنسيَّةَ في عَلاقتِها بالثَّورةِ الفَرنسيَّةِ، ورصَد اخْتِلافَ التَّغْييراتِ اللُّغويَّةِ والمُعجميَّةِ الَّتي نتَجتْ عن تلك الثَّورةِ.
وهناك باحِثونَ آخَرونَ في هذا الاتِّجاهِ، مِثلُ: ميخائيل باختين، ورُومان جاكبسون، ونيكولاي مار (Nicolaï Marr) الَّذي كان يَدْعو إلى لُغةٍ عالَميَّةٍ واحِدةٍ، مِثلُ: اللُّغةِ الاصْطِناعيَّةِ الإسبيرانتو (Espéranto). وقد قسَّم هذا الباحِثُ الرُّوسيُّ اللُّغاتِ مِن حيثُ نَشْأتُها التَّاريخيَّةُ، إلى أرْبَعِ مَراحِلَ حسَبَ المَقاطِعِ الصَّوتيَّةِ الأرْبَعةِ الَّتي كان يَسْتعمِلُها الكَهَنةُ والسَّحَرةُ (Sal،Ber،Yôn،Roch)
المَرْحَلةُ الأُولى: اللُّغةُ الصِّينيَّةُ واللُّغاتُ الإفْريقيَّةُ.
المَرْحَلةُ الثَّانيةُ: اللُّغاتُ الطُّورانيَّةُ واللُّغةُ التُّرْكيَّةُ.
المَرْحَلةُ الثَّالِثةُ: اللُّغاتُ القُوقازيَّةُ واللُّغاتُ الحاميَّةُ.
المَرْحَلةُ الرَّابِعةُ: اللُّغاتُ الهِند-أوروبيَّةُ واللُّغاتُ السَّاميَّةُ.
ويَعُدُّ كلَّ مَرْحَلةٍ مِن هذه المَراحِلِ اللُّغويَّةِ دَلالةً على تَقدُّمٍ مُعيَّنٍ. وتَحمِلُ هذه النَّظريَةُ في جَوهرِها رُؤيةً عُنْصريَّةً مارِكسيَّةً هَدَفُها تَوحيدُ اللُّغاتِ ضِمْنَ لُغةٍ واحِدةٍ، والقَضاءُ على الأخرى؛ كالقَضاءِ على الصِّراعِ الطَّبَقيِّ ووُجودِ الدَّولةِ. وقد تَحوَّلتِ النَّظريَّةُ المارِكسيَّةُ للُّغةٍ، في الاتِّحادِ السُّوفياتيِّ، إلى (النَّظريةِ اللِّسانيَّةِ الجَديدةِ)، واسْتَمرَّتْ إلى غايةِ سَنَواتِ الخَمسينيَّاتِ مِنَ القَرْنِ الماضي.
وقد انْتَشرتِ اللِّسانيَّاتُ الاجْتِماعيَّةُ في الوِلاياتِ المُتَّحدَةِ الأمْريكيَّةِ بشكْلٍ لافِتٍ للانْتِباهِ؛ بسَببِ وُجودِ الكَثيرِ مِنَ الجالِياتِ الأجْنبيَّةِ، ومِن ثَمَّ فقد ارْتَبطتْ بمَجالِ التَّربيَّةِ والتَّعْليمِ ارْتِباطًا وَثيقًا، كما عند بازيل برنشتاين (Basil Bernstein) الَّذي تَحدَّثَ عن شَفْرتَينِ لُغويَّتَينِ اجْتِماعيَّتَينِ مُتَقابِلتَينِ: لُغةٍ ضَيِّقةٍ ومُفكَّكةٍ وضَعيفةٍ عند أبْناءِ الفُقراءِ، ولُغةٍ غَنيَّةٍ ومُوسَّعةٍ عند أبْناءِ الأغْنياءِ، وفي هذا الصَّددِ يقولُ عبدُ الكَريمِ بوفرة: انْتَبهَ برنشتاين إلى العَلاقةِ المُباشِرةِ بَينَ الإنْتاجاتِ اللُّغويَّةِ الواقِعيَّةِ، وبَينَ الوَضْعيَّةِ الاجْتِماعيَّةِ للمُتكلِّمينَ أوِ النَّاطِقينَ اللُّغويِّينَ، وانْطَلق مِن هذه المُلاحَظةِ لكي يَصِلَ إلى اسْتِنتاجٍ عامٍّ؛ مُفادُه أنَّ أبْناءَ الشَّرائِحِ الاجْتِماعيَّةِ المُتواضِعةِ يَعْرفون نِسَبَ فَشَلٍ دِراسيٍّ أكْبَرَ مِن أولئك المُنْتَمينَ إلى طَبَقاتٍ اجْتِماعيَّةٍ مُسْتقرَّةٍ مادِّيًّا، ويَتَميَّزُ هذا التَّفاوُتُ بالفَرْقِ بَينَ نِظامَينِ لُغويَّينِ اثْنَينِ: واحِدٌ ضَيِّقٌ، والآخَرُ مُتَّسِعٌ...
ولمَعْرِفةِ حَجْمِ الفَرْقِ بَينَ النِّظامَينِ أعْلاه أُخْضِع تَلاميذُ المُسْتويَينِ الاجْتِماعيَينِ المُخْتلفَينِ لتَجرِبةٍ مُثيرَةٍ للاهْتِمامِ؛ فقد طُلِب منهم التَّعليقُ كِتابةً على مَجْموعةٍ مِنَ الرُّسومِ المُتَحرِّكةِ الصَّامِتةِ، فماذا كانتِ النَّتيجَةُ؟
كان جَوابُ الفِئةِ الأُولى (تَلاميذُ الطَّبَقةِ الاجْتِماعيَّةِ المُتواضِعةِ) على الشَّكلِ التَّالي:
هم يَلْعبون بالكُرةِ، قَذَف، تَكسَّرَ الزُّجاجُ...
في حِينِ كان تَعْليقُ الفِئةِ الثَّانيةِ (تَلاميذُ الطَّبَقةِ الغَنيَّةِ) بِهذا الأسْلوب:
 كان الأطْفالُ يَلْعبون بالكُرةِ، قذَف واحِدٌ منهم الكُرةَ، ومرَّتْ عبْرَ النَّافِذةِ، وكسَرتِ الزُّجاجَ...
ويَكمُنُ الفَرْقُ بَينَ النِّظامَينِ في شَكْلِ التَّعْبيرِ مِنَ النَّاحيةِ اللُّغويَّةِ، أي: مِن حيثُ قَواعِدُ النَّحْوِ والتَّرْكيبُ أوَّلًا؛ ففي الحالَةِ الأُولى نَجدُ جُمَلًا قَصيرةً تَفْتقِرُ إلى ضَمائِرِ الرَّبْطِ، معَ مُعجَمٍ مَحْدودٍ جدًّا؛ لِذا يَجدُ أولئك التَّلاميذُ صُعوبةً كَبيرةً في التَّعْبيرِ؛ فهُم عاجِزونَ عنِ التَّعلُّمِ، وعن رُؤْيةِ العالَمِ، وهذا يَعْني أنَّ التَّعلُّمَ والتَّنْشِئةَ الاجْتِماعيَّةَ تَنْشأُ في الأسْرةِ، وليس في المَدْرسةِ [105] يُنظَر: ((علم اللغة الاجتماعي، مقدمة نظرية)) لعبد الكريم بوفرة (ص:24، 25). .
وقد أسْهَم عالِمُ اللُّغةِ الاجْتِماعيُّ الأمْريكيُّ ويليام بريت (William Bright) في رَبْطِ الهُويَّةِ الاجْتِماعيَّةِ للمُتكلِّمِ بالهُويَّةِ الاجْتِماعيَّةِ للمُتلقِّي، ضِمْنَ سِياقٍ لُغويٍّ تَواصُليٍّ مُعيَّنٍ، ومِن ثَمَّ فقد اسْتَعمل ثلاثةَ مَفاهيمَ (المُلْقي، والمُتلقِّي، والسِّياق).
فضْلًا عن ذلك اهتمَّ عُلَماءُ آخَرونَ بدِراسةِ المَدينَةِ باعْتِبارِها فَضاءً للتَّطاحُنِ اللُّغويِّ، اعْتِمادًا على مَنهَجٍ وَصْفيٍّ قائِمٍ على المُلاحَظةِ، والتَّتبُّعِ، والاسْتِقراءِ، والمَسْحِ، والمُعايَشةِ، ويُسمَّى هذا عند الباحِثِ الفَرنسيِّ جان لويس كالفي (Louis- jean Calvet) باللِّسانيَّاتِ الاجْتِماعيَّةِ الحَضَريَّةِ، أو باللِّسانيَّاتِ الاجْتماعيَّةِ المُتعلِّقةِ بالمَدينةِ (Sociolinguistique urbaine ou linguistique de la ville).
ويعْني هذا أنَّ اللِّسانيَّاتِ الاجْتِماعيَّةَ الحَضَريَّةَ تَدرُسُ اللُّغةَ الحَضَريَّةَ بالتَّركيزِ على الأسْئلةِ التَّاليةِ: (مَنْ يَتكلَّمُ؟ ماذا؟ معَ مَنْ؟ متى؟ أينَ؟ لِماذا؟ ولِماذا؟)
وهكذا، يَبْدو لنا أنَّ هذه اللِّسانيَّاتِ الاجْتِماعيَّةَ، ولاسيَّما الحَضَريَّةِ منها، جاءت ردَّ فِعلٍ على النَّحْوِ الكُلِّيِّ عند نعوم تشومسكي الَّذي يُؤمِنُ بلُغةٍ واحِدةٍ، وإنْجازٍ لُغويٍّ واحِدٍ، في حِينِ تُؤمِنُ اللِّسانيَّاتُ الاجْتِماعيَّةُ بتَعدُّدِ الألْسِنةِ واللُّغاتِ.
وخُلاصَةُ القولِ: تَهتمُّ اللِّسانيَّاتُ الاجْتِماعيَّةُ بدِراسةِ احْتِكاكِ اللُّغاتِ، ورَصْدِ الدَّخيلِ والتَّداخُلِ والخَلْطِ اللُّغويِّ، ودِراسةِ البوليفونيَّةِ، ومُقارَبةِ الأسْلِبةِ والتَّنْضيدِ والتَّهْجينِ اللُّغويِّ، ومُناقَشةِ الثُّنائيَّةِ والتَّعدُّديَّةِ اللُّغويَّةِ، ومَعْرِفةِ عَلاقةِ اللُّغاتِ باللَّهَجاتِ، فضْلًا عن الاهْتِمامِ بتَصْحيحِ اللُّغةِ، وجَودَةِ اللُّغةِ، وتَقْعيدِ اللُّغةِ، والأمانِ اللُّغويِّ، والتَّلوُّثِ اللُّغويِّ، والسِّياسةِ اللُّغويَّةِ، والتَّخْطيطِ اللُّغويِّ...أي: دِراسةِ اللُّغاتِ في عَلاقتِها بالأفْرادِ والمُجْتمعاتِ والمُؤسَّساتِ، وقد تَجاوَزتِ اللِّسانيَّاتُ الاجْتِماعيَّةُ مِثاليَّةَ اللِّسانيَّاتِ السُّوسيريَّةِ والشومسكاويَّةِ القائِمةِ على الاسْتِنباطِ، والطَّابَعِ الافْتِراضيِّ الصُّوريِّ المُجرَّدِ، بالانْتِقالِ إلى الطَّابَعِ التَّجريبيِّ الاسْتِقرائيِّ المَيدانيِّ والمُخْتبريِّ [106] يُنظَر: ((اللسانيات الاجتماعية)) جميل حمداوي (ص: 17- 34). .
والخُلاصَةُ: أنَّ عِلمَ اللُّغةِ أصْبَح يُعَدُّ الآنَ ضِمْنَ طائِفةِ العُلومِ الاجْتِماعيَّةِ، ويَتَّصلُ اتِّصالًا وَثيقًا بغيرِه مِن هذه العُلومِ؛ كالأدْيانِ، والتَّاريخِ، والآدابِ، والسِّياسةِ، والاقْتِصادِ وغيرِها، وأنَّ الظَّواهِرَ اللُّغويَّةَ مُتأثِّرةٌ تَأثُّرًا مُباشَرًا بالظَّواهِرِ الاجْتِماعيَّةِ، وفي بعضِ الأحْيانِ لا تُفهَمُ الظَّواهِرُ الأُولى إلَّا بمُساعَدةِ الثَّانيةِ؛ فنَشْأةُ اللُّغاتِ وتَكوُّنُها وانْقِسامُها إلى أُسَرٍ مُختلِفةٍ، وانْتِشارُها، وما يَطرَأ عليها في حَياتِها مِن قوَّةٍ أو ضَعْفٍ، وما تَدخُلُ فيه لُغةٌ مِن صِراعٍ معَ غيرِها، وانْتِصارُها أو هَزيمَتُها في هذا الصِّراعِ اللُّغويِّ، وما يَسْتتبعُ هذا مِن تَطوُّراتٍ في أصْواتِها، أو تَغيُّرٍ في مَدْلولاتِ ألْفاظِها، واسْتعارَةِ الألْفاظِ وتَبادُلِها بَينَ اللُّغات، وإخْضاعِها لقَوانينِ الأصْواتِ في اللُّغةِ المُسْتعيرَةِ، وغيرِ ذلك- كلُّ هذه الظَّواهِرِ الَّتي ذَكَرناها وغيرُها لا يُمكِنُ أنْ تُعرَفَ على حَقيقتِها إلَّا إذا ألْقَتْ عليها الظَّواهِرُ الاجْتِماعيَّةُ ضَوءًا يَكشِفُ ما قد يَخْفى علينا مِن غَزَواتٍ وحُروبٍ، وما يَسْتتبِعُ هذا مِن تَغلُّبِ أمَّةٍ على أخرى، ومِن هِجْراتٍ تَرجِعُ إلى طَبيعةٍ قاسيةٍ، أو أرْضٍ مُجْدِبةٍ، ومِن انْتِشارِ دِينٍ جَديدٍ يَنْتزِعُ ما سبَقه مِن دِياناتٍ، أو يَعيشُ بجِوارِها مُتغلِّبًا عليها، ومِن حَضاراتٍ تَنْدثِرُ وأخرى تَنْتشِرُ، وما إلى ذلك مِنَ المَظاهِرِ المُختلِفةِ للحَياةِ البَشريَّةِ الاجْتِماعيَّةِ المُعقَّدةِ [107] يُنظَر: ((المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللُّغوي)) رمضان عبد التواب (ص: 136). .

انظر أيضا: