موسوعة اللغة العربية

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مُراعاةُ النَّظيرِ:


ويُسَمَّى: الائْتِلافَ، والتَّوفيقَ، والمُؤاخاةَ.
وهو: "أنْ يَجمَعَ النَّاظِمُ أوِ النَّاثِرُ أمرًا وما يُناسِبُه -إلَّا مُناسبةَ التّضادِّ- سواءٌ كانت المُناسبةُ لفْظًا لمَعنًى، أو لفْظًا للفْظٍ، أو مَعنًى لمَعنًى".
فمِن ذلك قولُ البُحْتُريِّ في وصْفِ الإبِلِ الَّتي أنْهكَها السَّيرُ وأصابَها النُّحولُ: الخفيف
كالقِسيِّ المُعَطَّفاتِ بلِ الأَسـ
ـهُمِ مَبريَّةً بلِ الأوْتارِ
فإنَّ الشَّاعرَ لمَّا أراد وصْفَ نُحولِ الإبِلِ شبَّهها بالقوْسِ، وكان حقُّه إذا أراد تَكرارَ التَّشْبيهِ أنْ يُشبِّهَها بما يُشبِهُ القوسَ كالهِلالِ وحرْفِ النُّونِ ونحْوِ ذلك، لكنَّه شبَّهها بعدَ ذلك بالأسهُمِ المَبريَّةِ والأوْتارِ، وما ذلك إلَّا لمُناسَبةِ ذكْرِ القِسيِّ.
ومنه قولُ ابنِ رَشَيقٍ في مدْحِ الأميرِ تَميمٍ: الطويل
أصَحُّ وأقْوى ما سَمِعناهُ في النَّدى
مِنَ الخبَرِ المأثورِ منذُ قَديمِ
أحاديثُ تَرويها السُّيولُ عنِ الحَيا
عنِ البَحْرِ عن كفِّ الأميرِ تَميمِ
فناسَبَ الشَّاعرُ بينَ الصِّحَّةِ والقوَّةِ والسَّماعِ، والخبَرِ المَأثورِ والحَديثِ، والرِّوايةِ والعَنْعَنَةِ، وهِي أمورٌ مُتناسِبةٌ يَجمَعُها علْمُ رِوايةِ الحَديثِ الشَّريفِ، ثمَّ ناسَبَ الشَّاعرُ في البيتِ الثَّاني كذلك فجمَع بينَ السُّيولِ وبينَ الحَيا -وهُو المَطَرُ- وبينَ البحْرِ.
ومنه أيضًا قولُ الشَّاعِرِ: الكامل
والطَّلُّ في سِلْكِ الغُصونِ كلُؤلؤٍ
رَطْبٍ يُصافِحُه النَّسيمُ فيَسقُطُ
والطَّيرُ يَقرأ والغَديرُ صَحيفَةٌ
والرِّيحُ تَكتُبُ والغَمامُ يُنَقِّطُ
يُشبِّه الشَّاعرُ المطَرَ حين يَسقُطُ على الغُصونِ بلُؤلؤٍ رَطبٍ يُصافِحُه النَّسيمُ، فيتَساقَطُ حَياءً وخَجلًا، ثمَّ صوَّره في البيتِ الثَّاني بأنَّ النَّهرَ صَحيفةٌ تَكتُبُ فيها الرِّيحُ، ويُنقِّطُ حُروفَها الغَمامُ، ويَقرأُ مَكتوبَها الطَّيرُ. والتَّناسُبُ هنا بينَ "يَقرأ وصَحيفَةٍ، ويَكتُبُ ويُنقِّطُ" كما هو واضِحٌ.
ومنه أيضًا قولُ أبي نُواسٍ: السريع
يا قَمرًا أُبصِرْتَ في مَأتَمٍ
يَندُبُ شَجْوًا بينَ أتْرابِ
بكَى فيذْري الدُّرَّ مِن نَرجِسٍ
ويَلطِمُ الورْدَ بعُنَّابِ
فجمَع الشَّاعرُ بينَ المَأتَمِ والنَّدبِ، والشَّجوِ والبُكاءِ واللَّطْمِ، وهِي كلُّها يجمَعُها الحُزنُ على الميِّتِ، ثمَّ ناسَبَ كذلك بَيْنَ النَّرجِسِ والورْدِ والعُنَّابِ حين صوَّر عينَ المُتغزَّلِ فيها بالنَّرجِسِ، وخدَّها بالورْدِ، وأنامِلَها بالعُنَّابِ.
ومنه قولُ ابنِ سَمْعونَ للمُهلَّبيِّ: "أنت أيُّها الوَزيرُ إبْراهيميُّ الجُودِ، إسْماعيليُّ الوعْدِ، شُعيبيُّ التَّوفيقِ، يُوسُفيُّ العَفْوِ، مُحمَّديُّ الخُلُقِ"؛ فناسَبَ أوَّلًا بأنْ ذكَر له الأنْبياءَ، ثمَّ بأنْ ذكَر لكلِّ نبيٍّ ما يُناسِبُه مِنَ الصِّفاتِ المُشتَهِرةِ عنه؛ أمَّا جُودُ إبْراهيمَ فلأنَّه اشتَهَر عنه إكْرامُ الضِّيفانِ، وأمَّا إسْماعيلُ فلِقولِه تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم: 54] ، وأمَّا تَوفيقُ شُعيبٍ فلأنَّه القائِلُ: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88] ، وأمَّا يُوسُفُ فلعَفْوِه عن إخْوتِه بعدَ أنْ كان منهم ما كان، وأمَّا خُلُقُ رَسولِ اللهِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلِقولِه تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] [430] ينظر: ((عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح)) لبهاء الدين السبكي (2/ 234)، ((الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم)) لعصام الدين الحنفي (2/ 380). .

انظر أيضا: