trial

الموسوعة العقدية

المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى


 مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى هو مذهبهم في الصفات عموماً. وذلك أن أسماء الله سبحانه وتعالى دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات. فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى.
والذي درج عليه سلف الأمة ومن تابعهم بإحسان واتفقوا عليه هو: الإقرار والتصديق لآيات الأسماء الصفات وأحاديثها، وإمرارها كما جاءت وإثباتها، دون تشبيه, أو تعطيل, أو تحريف, أو تأويل.
وإليك بعض النقول عنهم التي تثبت ذلك:
1- قال أحمد الدروقي: سمعت وكيعاً يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث: (يحمل السماوات على إصبع) (وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) رواه عبدالله بن أحمد في ((السنة)) (1/267). .
2- عن يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به فقال:
(لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه, وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها, وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول.
فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها.
وتثبت هذه الصفات وينفى عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ الشورى: 11]) رواه ابن قدامة في ((إثبات صفة العلو)) (ص: 124). .
3- وقال في الرسالة: ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذي هو كما وصف نفسه, وفوق ما يصفه به خلقه ((الرسالة)) (ص: 6). .    
4- وعن محمد بن إسماعيل الترمذي: سمعت نعيم بن حماد يقول:
(من شبه الله بخلقه فقد كفر. ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً) اهـ رواه الذهبي في ((العلو)) (ص: 75)، وصححه الألباني في ((مختصر العلو)). .
وقال الترمذي بعد روايته لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه, فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهرة..)) رواه الترمذي (662)، وأحمد (2/471) (10090)، والبخاري في ((العلل الكبير)) (107). وقال: [روي] عن عائشة وعن أبي هريرة أصح، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (2/119). والحديث أصله في البخاري ومسلم. الحديث. 
(وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا, ويؤمن بها, ولا يتوهم ولا يقال كيف.
هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذا الحديث: أمروها بلا (كيف)، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) ((سنن الترمذي)) (3/50). .
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه.
وقد ذكر الله تبارك وتعالى في غير موضع من كتابه اليد, والسمع, والبصر, فتأولت الجهمية هذه الآيات, وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده. وقالوا: إنما معنى اليد القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم (هو ابن راهويه): إنما يكون التشبيه إذا قال:
يد كيد, أو مثل يد، أو سمع كسمع, أو مثل سمع. فإذا قال: سمع كسمع, أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله يد, وسمع, وبصر, ولا يقول: (كيف) ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع, فهذا لا يكون تشبيهاً وهو كما قال الله تبارك في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ الشورى: 11] ((سنن الترمذي)) (3/50). .
وهذا ما ذهب إليه أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري الذي رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة, وترك ما كان عليه من علم الكلام المبتدع المخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم انظر: ((تبيين كذب المفتري)) لابن عساكر (ص: 38)، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (3/285)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (11/212)، ((العلو للعلي الغفار)) للذهبي (ص: 221)، .
قال رحمه الله في كتابه (اختلاف المصلين ومقالات المسلمين) بعد أن ذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم:
(ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث).
جملة قولهم: الإقرار بالله, وملائكته, وكتبه. ورسله, وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون من ذلك شيئاً.
وأن الله على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى, وأن له يدين بلا (كيف) كما قال: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.
وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا أن لله علماً كما قال: أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ.
وأثبتوا السمع, والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة.
إلى آخر كلامه في إثبات الصفات ((انظر مقالات الإسلاميين)) من ص (290).             .
وهذه العقيدة هي التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وهي التي تلقاها التابعون منهم، وتواصوا بها جيلاً بعد جيل، محذرين بعضهم البعض من مخالفتها والشطط عنها.
ودان بهذه العقيدة أئمة السلف الماضين من المحدثين, والفقهاء, والمفسرين, واللغويين, والمصنفين.
كيف لا، والله قد زكى اعتقاد نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين بقوله جل ثناؤه: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة: 137- 138].
 فمذهب أهل الحق ... إثبات الأسماء الحسنى والواردة بالكتاب العزيز, وبالسنة المطهرة, والإيمان بها، وبما دلت عليه من المعاني, والإيمان بما تعلقت بها من الآثار.
فمثلا نؤمن بأن الله سبحانه (رحيم) ومعناه: أنه ذو رحمة، ومن أثار هذا الاسم: أنه يرحم من يشاء.
مثال ثان: نؤمن بأن الله (قدير) ومعناه: أنه ذو قدرة, ومن آثار هذا الاسم: أنه على كل شيء قدير، وهذا القول في جميع الأسماء. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - ص 19


انظر أيضا: