موسوعة الأخلاق

ذَمُّ الجَفَاء والنَّهي عنه في السنة النبوية


- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الحياء مِن الإيمان، والإيمان في الجنَّة، والبَذَاء مِن الجَفَاء، والجَفَاء في النَّار )) [5142] رواه الترمذي (2009)، وأحمد (2/501) (10519)، وابن حبان (2/372) (608).      قال الترمذي: حسن صحيح، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (3/348)، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/96): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2009)، وحسنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (1447).
ففي هذا الحديث بيَّن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمان والحياء مترابطان متلازمان، وهما معًا يقودان صاحبهما إلى الجنَّة، وفي المقابل فإنَّ البَذَاء - وهو فُحْش القول، والسَّيِّئ منه– متلازم مع الجَفَاء، فهو صِنْوَه الذي لا يفارقه، وهما يسوقان صاحبهما إلى النَّار.
قال ملا علي القاري: (... ((والبَذَاء)) -بفتح الباء- خلاف الحياء، والنَّاشئ منه الفُحْش في القول، والسُّوء في الخُلُق. مِن الجَفَاء: وهو خلاف البِرِّ الصَّادر منه الوفاء. ((والجَفَاء)) أي: أهله التَّاركون للوفاء، الثَّابتون على غلاظة الطَّبع وقساوة القلب. في النَّار. إمَّا مدَّة أو أبدًا؛ لأنَّه في مقابل الإيمان الكامل أو مطلقه، فصاحبه إمَّا مِن أهل الكفران أو الكفر) [5143] ((مرقاة المفاتيح)) (8/3175).
- وعن ابن عبَّاس عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سكن البادية جَفَا، ومَن اتَّبع الصَّيد غفل، ومَن أتى السُّلطان افتُتِن )) [5144] رواه أبو داود (2859)، والترمذي (2256)، والنسائي (7/195)، وأحمد (1/357) (3362)، والبيهقي (10/101) (20750). قال الترمذي: حسن صحيح غريب.  وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2859).
في هذا الحديث يبيِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم سببًا مِن أسباب الجَفَاء والغِلْظَة في الطَّبع والمعاملة، وهذا السَّبب هو السُّكنى في البادية والعيش فيها، لما في ذلك مِن بعدٍ عن النَّاس، والبعد عن معاشرتهم التي تولِّد الرِّقة في القلب، والعطف في المعاملة، وكذلك لأنها تؤدي إلى البعد عن مواطن العلم ومجالس الذِّكر.
فالإنسان يكتسب مِن أخلاق غيره بالمعاشرة، وتتروَّض نفسه بحسب مَن حولها، وكلَّما اقترب الإنسان مِن أهل الحاضرة، كلَّما كان أرقَّ أخلاقًا وألطف طبعًا، وأحسن معاملة لمن حوله، والعكس بالعكس، قال السيوطي: (... ((مَن سكن البادية جَفَا)) أي: غَلُظ طبعه، وصار جافيًا بعد لطف الأخلاق؛ لفقد مَن يروِّضه ويؤدِّبه) [5145] ((قوت المغتذي)) (2/ 547).  
وقال المباركفوري: (وهو الغالب على سكَّان البوادي؛ لبعدهم عن أهل العلم، وقلَّة اختلاطهم بالنَّاس، فصارت طباعهم كطباع الوحوش...) [5146] ((تحفة الأحوذي)) (6/440).
وقال المناوي: (قال ابن تيمية: فيه أنَّ سُكنى الحاضرة يقتضي مِن كمال الإنسان في رِقَّة القلب وغيرها ما لا تقتضيه سُكنى البادية، فهذا الأصل موجب كون جنس الحاضرة أفضل مِن جنس البادية، وقد يتخلَّف المقتضي لمانع) [5147] ((فيض القدير)) (6/198).
 - وعن أبي مسعود: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان هاهنا- وأشار بيده إلى اليمن- والجَفاء وغِلَظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قَرْن الشَّيطان في ربيعة ومضر )) [5148] رواه البخاري (4387)، ومسلم (51).
وفي هذا الحديث يحدِّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجَفَاء وأين يكون، وهو في معنى الحديث الذي سبقه في أنَّ الجَفاء يَكْثُر في أهل البوادي، الذين يتَّبعون الإبل في مراعيها، فيبعدون عن مراكز المدن والحضر؛ فتقسو قلوبهم، وتجفو طباعهم.
قال ملا علي القاري: (... ((والجَفاء)) -بالمدِّ- ضدُّ الوفاء... والأظهر أنَّ المراد به هاهنا غِلَظ الألسنة، بقرينة قوله: ((وغِلَظ القلوب في الفدَّادين أهل الوبر)) بيان للفدَّادين، ويُرَاد بأهل الوبر: الأعراب أو سكَّان الصَّحاري، وإنَّما ذمَّهم؛ لبعدهم عن المدن والقرى، الموجب لقلَّة العلم الحاصل به حسن الأخلاق لهم، وسائر علوم الشَّريعة...) [5149] ((مرقاة المفاتيح)) لملا علي القاري (9/4038).
وقال المناوي: (ويحتمل أنَّ المراد بالجَفاء أنَّ القلب لا يميل لموعظة، ولا يخشع لتذكرة، والمراد بالغِلَظ: أنَّها لا تفهم المراد، ولا تعقل المعنى) [5150] ((فيض القدير)) للمناوي (4/535).

انظر أيضا: