موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (130-133)

ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ

غريب الكلمات :

أَخَذْنَا: أي: أَصَبْنا، أو اخْتَبَرْنَا، أو كِنايةٌ عَنِ القَهْرِ، وأصل (أخذ): يدلُّ على حَوزِ الشَّيءِ وجَمْعِه [1457] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 171)، ((تفسير ابن جرير)) (10/374)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/68)، ((المفردات)) للراغب (ص: 67). .
بِالسِّنِينَ: جَمْعُ سَنَةٍ، وهي: الجَدْبُ والقَحْطُ؛ وأكثرُ ما تُستعمَلُ السَّنَةُ في الحولِ الذي فيه الجدبُ، يُقالُ: أسْنَتَ القَومُ: إذا أَجْدَبوا، وأَصْلُ (سنه): يَدُلُّ على زَمانٍ [1458] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 171)، ((تفسير ابن جرير)) (10/374)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/103)، ((المفردات)) للراغب (ص: 430). .
يَطَّيَّرُوا: أي: يَتَشاءَموا به، وأَصْلُ (طير): التَّفاؤُلُ بالطَّيْرِ، ثمَّ اسْتُعمِلَ في كلِّ ما يُتَفاءَلُ به ويُتَشاءَمُ [1459] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 171)، ((المفردات)) للراغب (ص: 528، 990)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 116). .
طَائِرُهُمْ: أي: شُؤْمُهم، أو حَظُّهم الَّذي قضاه اللهُ تعالى لهم مِنَ الخيرِ والشَّرِّ، فهو لازِمٌ عُنُقَهم [1460] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 528، 529)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 116). .
الطُّوفَانَ: أي: المَطَرَ الكثيرَ، أو الماءَ الكثيرَ، والسَّيلَ العظيمَ، ويُطلَقُ الطُّوفانُ على كُلِّ حادِثَةٍ مُحيطَةٍ بالإنسانِ، فصار مُتعارَفًا في الماءِ المتناهي في الكَثْرَةِ، وأصل (طوف): يَدُلُّ على دَورانِ الشَّيءِ على الشَّيءِ، وأن يُحَفَّ به، ثُمَّ يُحمَلَ عليه [1461] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 171)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/432)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 116)، ((تفسير الرازي)) (14/346)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 581، 586). .
وَالْقُمَّلَ: السُّوس يقَعُ في الحِنْطَةِ، أو صغار الجَرادِ الَّذي لا أجنِحَةَ له، وقيل: صِغارُ الذُّبابِ، وأصل (قمل): يَدُلُّ على حَقارَةٍ وقَمَاءةٍ [1462] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/383)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/29)، ((المفردات)) للراغب (ص: 684)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 116). .

المعنى الإجمالي :

يُخبِرُ اللهُ تعالى أنَّه ابْتَلى آلَ فرعونَ بالجَدْبِ والقَحْطِ وقِلَّةِ الثِّمارِ؛ لعلَّهم يَذَّكَّرونَ، وأَخْبَرَ أنَّهم إذا جاءَهم الخِصْبُ والرِّزْقُ قالوا: هذه النِّعَمُ الكثيرةُ لنا، ولم يَشكروا اللهَ عليها، وإذا جاءهم الجَدْبُ والقَحْطُ تشاءموا بموسى ومَنْ معه مِنَ المؤمنينَ، إلَّا أنَّ ما أصابَهم من شَرٍّ هو مُقَدَّرٌ عليهم عقوبةً لهم، وليس من عِند موسى والمؤمنين معه، ولكنَّ أكثرَهم لا يَعلمون.
وقال آلُ فرعونَ لموسى: مهما تأتِنا بمعجزةٍ لِتَصْرِفَنا بها عن دِينِنا، فَلَنْ نؤمِنَ لك.
فأرسَلَ اللهُ عليهم الماءَ الكثيرَ الَّذي أَغْرَقَ بُيوتَهم ومزارعَهم، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ، والدَّمَ، آياتٍ واضحاتٍ تدُلُّ على صِحَّةِ نُبوَّةِ موسى عليه السَّلامُ، وفَصَلَ كُلَّ عقوبةٍ عَنِ الأُخْرى؛ فكان بعضُها يأتي في إِثْرِ بعضٍ، فاسْتَكبروا، وكانوا قومًا مُجرِمينَ.

تفسير الآيات :

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا حَكَى اللهُ تعالى عن موسى عليه السَّلامُ أنَّه قال لقومِه: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، بدأ هاهنا بذِكْرِ ما أنزله بفرعونَ وبقومِه مِنَ المِحَنِ حالًا بعْدَ حالٍ، إلى أنْ وَصَلَ الأمْرُ إلى الهلاكِ؛ تنبيهًا للمكلَّفينَ على الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ والتَّمسُّكِ بتكذيبِ الرُّسلِ؛ خوفًا من نُزولِ هذه المِحَنِ بهم، فقال [1463] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/343). :
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ
أي: ولقد ابتلَيْنا فِرعونَ وقومَه، واختبرْناهم بالجَدْبِ والقَحْطِ، وعدمِ نُزولِ المطرِ [1464] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/374)، ((تفسير ابن كثير)) (3/460)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/103، 104). قال ابنُ عاشور: (ليس قولُه تعالى: بِالسِّنِينَ دليلًا على أنَّها طالت أعوامًا؛ لأنَّ السِّنينَ هنا جَمْعُ سَنَةٍ بمعنى الجَدْبِ لا بمعنى الزَّمنِ المُقدَّرِ من الدَّهرِ؛ فالسَّنَةُ في كلامِ العربِ إذا عُرِّفَتْ باللَّامِ يُرادُ بها سَنَةُ الجَدْبِ والقَحْطِ... فـ(السِّنين) في الآيةِ مُرادٌ بها القُحوطُ، وجَمْعُها باعتبارِ كثرةِ مَواقعِها، أي: أصابَهم القَحْطُ في جميعِ الأَرَضِينَ والبُلدانِ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/63). .
وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ
أي: وابتليناهم بقِلَّةِ ثِمارِهم، فلا تُثْمِرُ أشجارُهم إلَّا قليلًا [1465] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/374)، ((تفسير ابن كثير)) (3/460)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/64)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/104). .
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
أي: إنَّما ابتلَيْناهم واختبرْناهم بالجَدْبِ وقِلَّةِ الثِّمارِ؛ لِيَتَّعِظوا فينزجِروا عن كُفْرِهم، ويَرجِعوا إلى ربِّهم [1466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/374)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/64)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/105). قال ابن عاشور: (لأنَّ المصائبَ والأضرارَ المُقارِنَةَ لتذكيرِ موسى إيَّاهم بربِّهم، وتسريحِ عَبيدِه، مِن شأنِها أنْ يكونَ أصحابُها مَرْجُوًّا منهم أنْ يَتذكَّروا بأنَّ ذلك عِقابٌ على إعراضِهم وعلى عدمِ تذكُّرِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (9/64). .
كما قال تعالى عنهم: وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: 48] .
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ
أي: فإذا جاءَتْ آلَ فرعونَ الحالُ الحَسَنةُ؛ مِنَ العافيةِ والرَّخاءِ، وكَثْرَةِ الأمطارِ، وكثرةِ الثِّمارِ، قالوا: هذه النِّعَمُ الكثيرةُ لنا؛ لأنَّنا نَستحِقُّها، وجَديرون بها، ولم يَشْكروا اللهَ عليها [1467] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/376)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/232)، ((تفسير ابن كثير)) (3/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/65)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/106). قال الشنقيطيُّ: (المرادُ بالحسنةِ هنا- بإجماعِ المفسِّرين- هو ذاك الخِصْبُ، وكثرةُ المطرِ، وكثرةُ الأرزاقِ، والعافيةُ). ((العذب النمير)) (4/106). .
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ
أي: وإنْ تُصِبْهُمْ حالٌ سيِّئةٌ في بعضِ الأوقاتِ؛ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، وقِلَّةِ الأرزاقِ، ومجيءِ الأمراضِ؛ يَتشاءَموا بموسى ومَنْ معه مِنَ المؤمنين، ويقولوا: هذا البَلاءُ جاءَنا بسَبَبِ موسى والَّذينَ آمَنوا بدينِه [1468] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/376)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/232)، ((تفسير ابن كثير)) (3/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/66)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/106). قال الرازيُّ: (والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ في قولِ جميعِ المفسِّرين). ((تفسير الرازي)) (14/344). .
أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي: إنَّ ما يُصيبُ فِرعونَ وقومَه من شرٍّ إنَّما هو مُقَدَّرٌ عليهم من عِند اللهِ تعالى؛ عُقوبةً لهم بسَبَبِ كُفْرِهم، وليس هو مِن عِندِ موسى والمؤمِنينَ معه [1469] واختار أنَّ المرادَ بالطائرِ هنا شُؤْمُهم وما يَحُلُّ بهم من مصائبَ: الواحديُّ، والسعديُّ، وابنُ عاشور، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((الوجيز)) (ص: 409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/67)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/109). وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلف ابنُ عبَّاسٍ، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/377). وقيل: المرادُ بالطَّائرِ ما قُدِّرَ عليهم من خيرٍ وشرٍّ. وهذا اختيارُ ابن جريرٍ، والبَغَوي، والرازي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/377)، ((تفسير البغوي)) (2/223)، ((تفسير الرازي)) (14/345). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلف ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، والضحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/378)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (5/1543) قال ابنُ تيميَّةَ: (فسَّروا «الطَّائرَ» بالأعمالِ وجزائِها؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّما أصابَنا ما أصابَنا من المصائبِ بذُنوبِ الرُّسلِ وأتباعِهم؛ فبيَّنَ اللهُ سبحانه: أنَّ طائرَهم- وهو الأعمالُ وجزاؤُها- هو عِندَ اللهِ، وهو معهم؛ فهو معهم لأنَّ أعمالَهم وما قُدِّرَ من جزائِها معهم، كما قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: 13] ، وهو من اللهِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قدَّرَ تلك المصائبَ بأعمالِهم؛ فمِن عِندِه تتنزَّلُ عليهم المصائبُ جزاءً على أعمالِهم، لا بسببِ الرُّسلِ وأتباعِهم). ((مجموع الفتاوى)) (14/253). ويُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 165)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/232). وقال ابن القيِّمِ: (هاتانِ النِّسبتانِ نظيرُ هاتين النِّسبتين في هذه الآيةِ، وهي نِسبةُ السَّيِّئةِ إلى نفسِ العبدِ، ونسبةُ الحسنةِ والسَّيِّئةِ إلى أنَّهما مِن عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فتأمَّلِ اتِّفاقَ القرآنِ، وتصديقَ بعضِه بعضًا؛ فحيث جعَلَ الطَّائرَ معهم، والسَّيِّئةَ من نفسِ العبدِ، فهو على وجهةِ السَّببِ والموجبِ، أي: الشَّرُّ والشُّؤْمُ الَّذي أصابَكم هو منكم ومعكم؛ فإنَّ أسبابَه قائمةٌ بكم، كما تقول: شَرُّكَ منك، وشُؤْمُكَ فيك، يُرادُ به العملُ، وطائرُكَ معك، وحيثُ جعَلَ ذلك كلَّه من عنده فهو لأنَّه الخالِقُ له، المجازي به عدلًا وحكمةً، فالطَّائرُ يُرادُ به العملُ وجزاؤه، فالمضافُ إلى العبدِ العملُ، والمضافُ إلى الرَّبِّ الجزاءُ، فطائرُكُم معكم طائرُ العملِ، وطائرُكُم عند اللهِ الجزاءُ، فما جاءت به الرُّسلُ ليس سببًا لشيءٍ من المصائبِ، ولا تكون طاعةُ اللهِ ورسولُه سببًا لمصيبةٍ قَطُّ، بل طاعةُ اللهِ ورسولُه لا توجِبُ إلَّا خيرًا في الدُّنيا والآخرةِ، ولكنْ قد يُصيبُ المؤمنين باللهِ ورسولِه مصائبُ؛ بسببِ ذُنوبهم، وتقصيرِهم في طاعةِ اللهِ ورسولِه). ((شفاء العليل)) (ص: 165). .
كما قال تعالى في شأنِ المكذِّبين بمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: 78] .
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
أي: ولكنَّ أكثرَ قَومِ فِرعونَ لا يَعلمون أنَّ ما يُصيبُهم من شرٍّ إنَّما هو عقوبةٌ لهم مِن عِندِ اللهِ تعالى بسببِ كُفْرِهم، لا مِن عِندِ موسى وأتباعِه [1470] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/377)، ((الوسيط)) للواحدي (2/398)، ((تفسير البغوي)) (2/223)، ((تفسير الرازي)) (14/345)، ((تفسير القرطبي)) (7/267)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301). قال ابن عاشور: (الضَّميرُ في قولِه: أَكْثَرَهُمْ عائدٌ إلى الَّذينَ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وإنَّما نُفِيَ العِلمُ عن أكثرِهم؛ تنبيهًا على أنَّ قليلًا منهم يعلمون خِلافَ ذلك، ولكنَّهم يُشايِعونَ مَقالةَ الأكثرين). ((تفسير ابن عاشور)) (9/67). .
كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] .
وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] .
وقال عزَّ وجلَّ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] .
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا حَكَى اللهُ تعالى عن آلِ فرعونَ في الآيةِ الأُوَلى أنَّهم- لِجَهْلِهم- أسندوا حوادِثَ هذا العالَمِ لا إلى قَضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِه؛ حَكَى عنهم في هذه الآيةِ نوعًا آخَرَ من أنواعِ الجَهالةِ والضَّلالةِ، وهو أنَّهم لم يُميِّزوا بين المعجزاتِ وبين السِّحرِ، وجَعَلوا جُملةَ الآياتِ- مِثلَ انقلابِ العصا حيَّةً- من بابِ السِّحرِ منهم، وقالوا لموسى: إنَّا لا نَقْبَلُ شيئًا منها البتَّةَ [1471] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/345). .
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
أي: وقال آلُ فرعونَ لموسى: مهما تَجِئْنا- يا موسى- بمُعجزةٍ؛ لتصرِفَنا بها عن دِينِنا، جَزَمْنا بأنَّها سِحرٌ؛ فلن نُؤمنَ بك، ولا بما جَئْتَنا به [1472] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/378)، ((تفسير ابن كثير)) (3/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/111). .
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بارَزوا اللهَ تعالى بتِلك الأفعالِ العَظميةِ المذكورةِ فيما سبَقَ، استحقُّوا النَّكالَ، فَسُبِّبَ عن ذلك قولُه تعالى [1473] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/40). :
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ
أي: فبسَبَبِ كُفْرِهم بَعَثْنا عليهم الماءَ الكثيرَ، الَّذي دخَلَ بُيوتَهم، وأَغْرَقَ مزارِعَهم [1474] وهذا المعنى المذكورُ للطُّوفانِ هو اختيارُ السعدي، وابنِ عاشورٍ، والشنقيطي، ونَسَبَه للجمهورِ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/69)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/112-113). وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلف ابنُ عبَّاس في روايةٍ عنه، وأبو مالكٍ، والضحَّاك، وقتادةُ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، والسُّديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/379)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (5/1544). وقال ابنُ جريرٍ دونَ جزمٍ بتحديدِه: (والصَّوابُ من القولِ... أنَّه أمْرٌ من اللهِ طاف بهم، وأنَّه مصدرٌ من قولِ القائلِ: طاف بهم أمْرُ اللهِ يَطوفُ طوفانًا... وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يكونَ الَّذي طاف بهم المطرَ الشَّديدَ، وجاز أنْ يكونَ الموتَ الذَّريعَ). ((تفسير ابن جرير)) (10/382). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ ابنُ عبَّاس في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/381). .
كما قال اللهُ تعالى عن قومِ نوحٍ: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت: 14] .
وَالْجَرَادَ
أي: وبَعَثْنا عليهم الجرادَ، فأكَلَ زُروعَهم وثِمارَهم [1475] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/69)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/114). .
وَالْقُمَّلَ
أي: وبعَثْنا عليهم القُمَّلَ [1476] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/384)، ((تفسير ابن كثير)) (3/464)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/69). واختلَف السَّلفُ في تفسيرِ القمَّل: فقال بعضُهم: هو الدَّبَى (الجرادُ الذي ليس له أجنحةٌ)، وممن رُوي عنه هذا القولُ منهم: ابنُ عبَّاس، والسُّديُّ، وقتادةُ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ في روايةٍ عنه، وعطاءٌ الخراسانيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/383). وقال بعضُهم: القمَّل هي البراغيثُ، وممن رُوي عنه هذه القولُ ابنُ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/384). وقال بعضُهم: إنَّها دوابُّ سودٌ صغارٌ، وممن رُوي عنه هذا القولُ مِن السَّلف الحسنُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ في روايةٍ عنه، وقيل غير ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/385)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/148). قال الشنقيطي: (والحاصلُ أنَّ القمَّل هنا فيه أقوالٌ متقاربةٌ) ثم ذكَر هذه الأقوالَ، وقال: (هذه أقوالٌ فيه لا يكذِّبُ بعضُها بعضًا، وعلى كلِّ حالٍ فهو شيءٌ مِن خلقِ الله، سلَّطه الله عليهم، فعذَّبهم به، وآذاهم إيذاءً كثيرًا، حتى ضجُّوا، وزعموا أنَّهم يتوبونَ). ((العذب النمير)) (4/118). ، وهو شيءٌ مِن خلقِ اللهِ سلَّطه الله عليهم فعذَّبهم به، وآذاهم إيذاءً كثيرًا [1477] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/118). .
وَالضَّفَادِعَ
أي: وبَعَثْنا عليهم الضَّفادِعَ، فامتلأَتْ منها بُيوتُهم وآنيتُهم، وآذَتْهم إيذاءً عظيمًا [1478] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/69- 70)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/119). .
وَالدَّمَ
أي: وبَعَثْنا عليهم الدَّمَ، فصار ماؤُهم الَّذي يَشرَبونَه ويَستعمِلونَه دَمًا [1479] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/70)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/121). وهذا قولُ الجمهورِ كما قال ابن الجوزي: (وفي الدَّمِ قولان؛ أحدُهما: أنَّ ماءهم صار دمًا، قاله الجمهورُ. والثَّاني: أنَّه رُعافٌ أصابهم، قاله زيدُ بنُ أَسْلَمَ). ((زاد المسير)) (2/148). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 301). .
آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ
أي: بَعَثْنا على قومِ فرعونَ هذه العقوباتِ، الَّتي جعَلْناها علاماتٍ تدُلُّ بوضوحٍ على صِحَّةِ نُبوَّةِ موسى عليه السَّلامُ [1480] وهذا المعنى لـ مُفَصَّلَاتٍ هو اختيارُ السعديِّ، وابنِ عاشورٍ، والشنقيطيِّ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/70)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/123). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلف مجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/398). ، وفصَلْنا كلَّ عُقوبةٍ عن العقوبةِ الأخرى؛ فكان بعضُها يأتي في إِثْرِ بعضٍ [1481] وهذا المعنى هو اختيارُ ابنِ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/397)، وحكاه عددٌ مِن المفسِّرين. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/70)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/124). وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلف ابنُ عبَّاس، وابنُ جريجٍ، وابنُ إسحاقَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/398)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/524). .
كما قال تعالى: وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا [الزخرف: 48] .
فَاسْتَكْبَرُوا
أي: فتكبَّرَ آلُ فرعونَ تكبُّرًا شديدًا عن الإيمانِ باللهِ عزَّ وجلَّ، وطاعةِ رسولِه موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، مع رُؤيتِهم لتِلك الآياتِ العظيمةِ، الدَّالَّةِ على صِدْقِه وصِحَّةِ رسالتِه [1482] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/398)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/71)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/124). .
كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: 14] .
وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ
أي: وكانوا مِنْ قَبْلِ استكبارِهم قومًا يُصِرُّونَ على معصيةِ اللهِ سُبحانَه [1483] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/398)، ((تفسير الرازي)) (14/347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/71)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/125). قال الشنقيطي: (المجرِمُ هو مرتكِبُ الجريمةِ، والجريمةُ: الذَّنبُ الَّذي يَستحِقُّ صاحبُه التَّنكيلَ والعذابَ). ((العذب النمير)) (4/125). .
كما قال تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [الزخرف: 49-50] .

الفوائد التربوية :

سنةُ اللهِ في الأُمَمِ أنْ يَبتليَها بالنِّقَمِ؛ ليَزدجِروا، ويتذكَّروا بذلك ما كانوا فيه مِنَ النِّعَمِ؛ فإنَّ الشِّدَّةَ تَجْلِبُ الإنابةَ والخشيةَ، ورِقَّةَ القلبِ، والرُّجوعَ إلى طلَبِ لُطْفِ اللهِ وإحسانِه؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [1484] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/147). .
قال اللهُ تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، في هذه الآيةِ تنبيهٌ للأُمَّةِ للنَّظرِ فيما يُحيطُ بها من دلائلِ غَضَبِ اللهِ؛ فإنَّ سَلْبَ النِّعمةِ للمُنْعَمِ عليهم تنبيهٌ لهم على استِحقاقِهم إعراضَ اللهِ تعالى عنهم [1485] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/64). .
قولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ التَّطيُّرُ والتَّشاؤُمُ من صِفاتِ الكفَّارِ، وعلى المُسلِمينَ اجتنابُه، وأنْ يتوكَّلوا على اللهِ، ولا يَنبغي لهم أنْ يَجْزَعوا مِنَ التَّطَيُّرِ، ولْيُعلَمْ أنَّ الأُمورَ بيدِ اللهِ، وأنَّ الشُّؤْمَ الحقيقيَّ الَّذي يَستجلِبُ كُلَّ الضَّرَرِ هو مُخالَفةُ ربِّ العالَمينَ جلَّ وعلا، أمَّا كُلُّ فِعْلٍ لم يُخالَفُ به اللهُ فهذا لا ضَرَرَ فيه ولا طِيَرَةَ؛ لأنَّ اللهَ ما أباحَه إلَّا لأنَّه لا ضَررَ فيه، وعلى المُسلِمِ أنْ يَتَحَرَّزَ من هذا كُلِّه، ولا يَتشاءمَ بشيءٍ، وأنْ يبنيَ الأُمورَ على التَّوكُّلِ على اللهِ، ومُراعاةِ أوامِرِه ونواهيه [1486] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/64). .

الفوائد العلمية واللطائف :

قولُ اللهِ تعالى: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا إنَّما سَمَّوها آيةً، ثم قالوا: لِتَسْحَرَنَا بِهَا؛ لأنهم ما سَمَّوها آيةً لاعتقادِهم أنَّها آيةٌ، وإنَّما سمَّوها اعتبارًا لتَسميةِ مُوسى عليه السَّلامُ، وقَصَدوا بذلك الاستهزاءَ والتلهِّي [1487] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/146) .
قولُ اللهِ تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حُكْمٌ بنَفْيِ العِلْمِ عن أكثرِهم؛ لأنَّ القليلَ منهم عَلِمَ؛ كمؤمنِ آلِ فرعونَ، وآسيةَ امرأةِ فرعونَ [1488] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/148)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/67). .
قولُ اللهِ تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، ذَكَرَ أوَّلًا: الطُّوفَانَ، ولَمَّا كان ذلك ربَّما أَخْصَبَتْ به الأرضُ أَخْبَرَ أنَّه أَرْسَلَ ما يُفسِدُ ذلك، فقال: وَالْجَرَادَ، ولَمَّا كان الجرادُ ربَّما طار، وقد أَبْقى شيئًا أَخْبَرَ بما يَستمِرُّ لازقًا في الأرضِ حتَّى لا يَدَعَ بها شيئًا، فقال: وَالقُمَّلَ، ولَمَّا ربَّما كان عِندَهم شيءٌ مَخْزونٌ لم يَصِلْ إليه ذلك، أَخْبَرَ بما يُسْقِطُ نَفْسَهُ في الأكْلِ؛ فيُفسِدُه أو يَنْقُصُه، فقال: والضَّفَادِعَ، ولَمَّا تَمَّ ما يَضُرُّ بالمَأْكَلِ أَتْبَعَه ما أَفْسَدَ المِشْرَبَ، فقال: وَالدَّمَ [1489] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/41). .

بلاغة الآيات:

قولُه: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ: فيه تنكيرُ نَقْصٍ؛ للتكثير؛ فنُكِّر نَقْص ولم يُضَفْ إلى الثَّمَرَاتِ؛ لئلَّا تفوتَ الدَّلالةُ على الكثرةِ [1490] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/64). .
قوله: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ عرَّف الحَسنةَ، وذَكَّرها مع أداةِ التَّحقيقِ (إذا)؛ لكَثرةِ وُقوعِها، ونَكَّرَ السيِّئةَ، وأتَى بها مع حرْف الشكِّ (إنْ)؛ لأنَّ السَّيِّئةَ لا تَقعُ إلَّا في النُّدرة، ولا يقعُ إلَّا شيءٌ منها، ولعدمِ القَصدِ إليها إلَّا بالتَّبع [1491] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/144- 145)، ((تفسير البيضاوي)) (3/30) . ؛ فجِيءَ في جانب الحَسَنة بـ(إذا) الشرطيَّةِ؛ لأنَّ الغالبَ في (إذا) الدَّلالةُ على اليقين بوقوع الشَّرْط، أو ما يَقرُب من اليقين؛ ولذلك غلَب أنْ يكونَ فِعلُ الشرطِ مع (إذا) فعلًا ماضيًا؛ لكونِ الماضي أقربَ إلى اليقينِ في الحُصولِ من المستقبَلِ، وجِيءَ في جانبِ السيِّئةِ بحَرْف (إنْ)؛ لأنَّ الغالب أن تدُلَّ (إنْ) على التردُّد في وقوعِ الشَّرْط، أو على الشكِّ؛ ولكون الشيءِ النادرِ الحصولِ غيرَ مجزومٍ بوقوعه، ومشكوكًا فيه، جِيءَ في شرْطِ إصابةِ السيئةِ بحرْفِ (إن)؛ لنُدرةِ وقوعِ السيِّئاتِ، أي: المكروهاتِ عليهم، بالنسبة إلى الحَسنات، أي: النِّعم، وفي ذلك تعريضٌ بأنَّ نِعمَ اللهِ كانتْ مُتكاثرةً لدَيهم، وأنَّهم كانوا مُعرِضين عن الشُّكرِ، وتعريضٌ بأنَّ إصابتَهم بالسيِّئاتِ نادرةٌ، وهم يَعدُّونَ السيِّئاتِ مِن جرَّاءِ موسى ومَن آمَن معه؛ فهم في كِلتا الحالتين بين كافِرين بالنِّعمة، وظالِمين لموسَى ومَن معه [1492] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/64). .
والفاءُ في قولِه: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ: لتَفريعِ هذا الخبرِ على جُملةِ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، والمعنى: فلم يَتذكَّروا، ولكنَّهم زادوا كُفرًا وغُرورًا [1493] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/64). .
وفي قولِه: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ وقولِه: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ  مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ عبَّر في جانِبِ الحَسنةِ بالمجيءِ؛ لأنّ حُصولَها مرغوبٌ؛ فإنَّها تُترقَّبُ كما يُترقَّبُ الجائي، وعبَّر في جانبِ السيِّئةِ بالإصابةِ؛ لأنَّها تحصُل فجأةً، مِن غير رغبةٍ ولا ترقُّب [1494] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/64- 65). .
قوله تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ جملةٌ معترضةٌ؛ ولذلك فُصلت، ولم تُعطَف على التي قَبْلَها بالواوِ [1495] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/67). .
والقصرُ المستفادُ مِن إِنَّمَا إضافيٌّ، أي: سُوءُ حالهم عِقابٌ مِن اللهِ، لا مِن عندَ موسى ومَن مَعَه [1496] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/67). .
وفي قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الاستدراكُ المستفادُ مِن (لكن) عَمَّا يُوهِمُه الاهتمامُ بالخبرِ الذي قبْلَه؛ لقرنِه بأداةِ الاستفتاحِ، واشتمالِه على صِيغةِ القَصرِ، مِن كون شأنِه ألَّا يجهلَه العقلاءُ؛ فاستدرَكَ بأنَّ أكثرَ أولئك لا يَعلمونَ [1497] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/67). .
قولُه: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جُمْلَةُ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ تفيدُ المبالغةَ في القطعِ بانتفاءِ إيمانهم بموسى؛ لأنَّهم جاؤوا في كلامِهم بما حَوتْه الجملةُ الاسميَّةُ التي حَكتْه من الدَّلالةِ على ثُبوتِ هذا الانتفاءِ ودوامِه، وبما تُفيدُه الباءُ مِن توكيدِ النَّفي، وما يُفيدُه تقديمُ مُتعلِّق (مُؤْمِنِينَ) مِن اهتمامِهم بموسى في تعليقِ الإيمانِ به المنفيِّ باسمِه [1498] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/69). .
قوله: فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فيه صياغةُ الخبرِ عن إجرامِهم بصِيغةِ الجملةِ الاسميَّةِ؛ للدَّلالةِ على ثَباتِ وصْفِ الإجرامِ فيهم، وتَمكُّنِه منهم، ورُسوخِه فيهم مِن قَبلِ حُدوثِ الاستكبارِ، وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّ وصفَ الإجرامِ الرَّاسخِ فيهم هو عِلَّةٌ للاستكبارِ الصادرِ مِنهم، فـ(كان) دالَّةٌ على استمرارِ الخبرِ، وهو وصفُ الإجرامِ [1499] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/71). .