موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
الآيات (1-3)

ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ

المعنى الإجمالي:

افتُتِحَت هذه السورةُ العظيمة بالحروف المقطَّعة؛ لبيان إعجاز القرآن؛ إذ تُبرِزُ عجزَ الخَلْق عن معارضته بالإتيان بشيءٍ من مثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروفِ العربيَّة التي يتحدَّثون بها!
 ثُمَّ أخبَرَ تعالى أنَّ هذا القُرآنَ كتابٌ أنزله إلى رَسولِه الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ليُخرِجَ به البشَرَ مِن الكُفرِ والجَهلِ والمعاصي إلى نورِ الإيمانِ والعِلمِ والطَّاعةِ - بإذنِ رَبِّهم وتوفيقِه لهم- إلى طريقِ الحَقِّ الواضحِ المُستقيمِ الذي نصَبَه اللهُ لعبادِه، وجَعَله مُوصِلًا إلى العزيزِ الحميدِ؛ اللهِ الذي له ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ؛ وويلٌ للذين كفروا مِن عذابٍ شَديدٍ ينالُهم يومَ القيامةِ. وهؤلاءِ الكافِرونَ هم الذين يختارونَ الحياةَ الدُّنيا الفانيةَ، ويَترُكونَ الآخِرةَ الباقيةَ، ويَصْرِفونَ النَّاسَ عن اتِّباعِ دِينِ اللهِ، ويُريدونَه طَريقًا مُعوَجًّا؛ ليُوافِقَ أهواءَهم، أولئك في ضلالٍ بعيدٍ عن الحقِّ.

مشكل الإعراب:

إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
 لفظُ الجلالةِ اللهِ: بدلٌ مُطابِقٌ [6] ولا يصِحُّ أن يُعربَ صِفةً لِما قبلَه؛ لأنَّه علَمٌ، والعلَمُ لا يوصَفُ به. يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (7/173). وأيضًا فإنَّ جميعَ الأسماءِ تأتي تابعةً لهذا الاسمِ العظيمِ، ولايأتي تابعًا لها إلَّا في هذه الآيةِ، لكنَّه هنا بدلٌ، وليس صفةً. يُنظر: ((شرح الأربعين النووية)) لابن عثيمين (ص: 24). مِن العزيزِ مجرورٌ، وقُرئَ بالرفعِ على أنَّه خبرٌ لِمُبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو الله، و الَّذِي صِفةٌ لاسمِ الجلَالةِ اللهُ أو على أنه مبتدأٌ وخبرُه الموصولُ وصلتُه. وقيلَ غيرُ ذلك [7] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/762)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/66-67). .

تفسير الآيات:

الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1).
الَر.
تقدَّم الكلامُ عن هذه الحروفِ المقطَّعةِ في تفسيرِ أوَّلِ سُورةِ البَقَرةِ [8] يُنظر ما تقدَّم في تفسيرِ سورةِ البقرةِ (1/64). .
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.
أي: هذا القُرآنُ كتابٌ عظيمٌ أنزَلْناه إليك- يا مُحمَّدُ- لتُخرِجَ به النَّاسَ- عرَبَهم وعَجَمَهم- مِن ظُلماتِ الكُفرِ والجَهلِ والمعاصي إلى نورِ الإيمانِ والعِلمِ والطَّاعةِ، وذلك بإرادةِ اللهِ تعالى وتوفيقِه لهم؛ فهو الهادي لِمَن قدَّرَ له الهدايةَ على يَدَي رسولِه المبعوثِ عن أمرِه سُبحانَه [9] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/588)، ((تفسير القرطبي)) (9/338)، ((تفسير ابن كثير)) (4/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 421)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/241). .
كما قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: 257] .
وقال سُبحانه: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: 9] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء: 64] .
وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس: 100] .
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
أي: لتُخرِجَ النَّاسَ مِن الظُّلماتِ إلى النُّورِ الذي هو طريقُ الحَقِّ الواضحِ المُستقيمِ الذي نصَبَه اللهُ لعبادِه، وجَعَله مُوصِلًا إلى العزيزِ الذي لا يُمانَعُ ولا يُغالَبُ، المُستحِقِّ وَحدَه لكمالِ الحَمدِ في جميعِ أقوالِه وأفعالِه، وشَرعِه وقَدَرِه [10] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/588)، ((تفسير ابن كثير)) (4/476)، ((تفسير الشوكاني)) (3/111، 112). .
اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2).
اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ .
أي: أنزَلْنا إليك القُرآنَ؛ لتدعوَ النَّاسَ إلى سُلوكِ صِراطِ العزيزِ الحميدِ؛ اللهِ المُستحِقِّ للعبادةِ وَحدَه، الذي مِن صِفتِه أنَّه يَملِكُ جميعَ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ، والخَلقُ كُلُّهم مِلكُه وعَبيدُه [11] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/590)، ((تفسير القرطبي)) (9/339)، ((تفسير السعدي)) (ص: 421). .
وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
مناسبتُها لما قبلَها:
لمَّا أفاد قولُه: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ تعريضًا بالمُشركينَ، عُطِفَ الكلامُ إلى تَهديدِهم وإنذارِهم بقولِه [12] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/183). :
وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
أي: وَهَلاكٌ وشِدَّةٌ [13] قال ابن عطية: (وقوله: وَوَيْلٌ معناه: وشِدَّةٌ وبَلاءٌ ونحوُه. أي: يلقَونَه من عذابٍ شديدٍ ينالُهم اللهُ به يوم القيامة، ويحتملُ أن يريدَ في الدنيا، هذا معنى قوله: وَوَيْلٌ. وقال بعضهم: «وَيْلٌ» اسمُ وادٍ في جهنَّمَ يسيلُ مِن صَديدِ أهلِ النَّارِ. قال القاضي أبو محمد: وهذا خبرٌ يَحتاجُ إلى سنَدٍ يقطَعُ العُذرَ، ثمَّ لو كان هذا لقَلِقَ تأويلُ هذه الآيةِ؛ لقوله: مِنْ عَذَابٍ، وإنما يحسُنُ تأوُّلُه في قولِه تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: 1] وما أشبَهَه، وأمَّا هنا فإنَّما يحسُنُ في وَيْلٌ أن يكونَ مصدرًا، ورَفْعُه على نحوِ رَفعِهم: سَلامٌ عليك، وشِبهِه). ((تفسير ابن عطية)) (3/322). وقال الشنقيطي: (كلمةُ وَوَيْلٌ، قال فيها بعضُ أهل العلم: إنَّها مصدرٌ لا فعلَ له مِن لَفظِه، ومعناه الهلاكُ الشَّديدُ، وقيل: هو وادٍ في جهنَّمَ تستعيذُ مِن حَرِّه، والذي سوَّغَ الابتداءَ بهذه النَّكرةِ أنَّ فيها معنى الدُّعاءِ). ((أضواء البيان)) (7/450). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/372-373)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/183). وفسَّره ابنُ جريرٍ بأنَّه الوادي الذي يسيلُ مِن صديدِ أهلِ جهنمَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/590-591). لِمَن كَفَروا باللهِ وبِرَسولِه، مِن عذابٍ شديدٍ ينالُهم في الآخرةِ [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/590، 591)، ((تفسير ابن عطية)) (3/322)، ((تفسير القرطبي)) (9/339)، ((تفسير ابن كثير)) (4/476، 477). .
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (3) .
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ.
أي: وويلٌ للكافرينَ الذين يحِبُّونَ الحياةَ الدُّنيا، ويَختارونَها ويُؤْثِرونَها على الآخرةِ، فَرَضُوا واطمأنُّوا بها، وغَفَلوا عن الأعمالِ الصالحةِ التي تنفَعُهم في الدارِ الآخرةِ [15] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/591)، ((تفسير القرطبي)) (9/339)، ((تفسير ابن كثير)) (4/477)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/184). .
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا.
أي: ويَصْرِفونَ النَّاسَ عن دينِ اللهِ، ويُريدونَ أن يكونَ مائِلًا عن الحَقِّ المُستقيمِ، بتَحريفِه وتبديلِه وغيرِ ذلك؛ لموافقةِ أهوائِهم وقَضاءِ أغراضِهم، ومنها تنفيرُ النَّاسِ عن طريقِ الحَقِّ [16] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/591)، ((تفسير القرطبي)) (9/340)، ((تفسير ابن كثير)) (4/477)، ((تفسير السعدي)) (ص: 421). .
أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ .
أي: أولئك الكُفَّارُ- الموصوفونَ بهذه الصِّفاتِ- في ذَهابٍ بعيدٍ عن الحَقِّ [17] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/591)، ((تفسير القرطبي)) (9/340)، ((تفسير ابن كثير)) (4/477)، ((تفسير السعدي)) (ص: 421). .

الفوائد التربوية:

1- قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ هذه الآيةُ دالَّةٌ على أنَّ طُرُقَ الكُفرِ والبِدعةِ كَثيرةٌ، وأنَّ طَريقَ الخيرِ ليس إلَّا الواحِد؛ لأنَّه تعالى قال: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ فعبَّرَ عن الجهلِ والكُفرِ بالظُّلماتِ، وهي صيغةُ جَمعٍ، وعبَّرَ عن الإيمانِ والهدايةِ بالنُّورِ، وهو لفظٌ مُفردٌ، وذلك يدُلُّ على أنَّ طُرُقَ الجَهلِ كثيرةٌ، وأمَّا طريقُ العِلمِ والإيمانِ فليس إلَّا الواحِد [18] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/58). .
2- قولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي: لا يحصُلُ منهم المرادُ المحبوبُ لله إلَّا بإرادةٍ مِن اللهِ ومَعُونةٍ؛ ففيه حثٌّ للعبادِ على الاستعانةِ برَبِّهم [19] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:421). .
3- قولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ في ذِكرِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بعد ذِكرِ الصِّراطِ المُوصِلِ إليه، إشارةٌ إلى أنَّ مَن سَلَكه فهو عزيزٌ بعِزِّ اللهِ، قَوِيٌّ ولو لم يكُنْ له أنصارٌ إلَّا اللهُ، محمودٌ في أمورِه، حسَنُ العاقبةِ [20] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:421). ، ففي ذِكرِه تَنبيهٌ على أنَّه لا يذلُّ سالِكُه ولا يخيبُ سابِلُه، وترغيبٌ في سُلوكِه ببيانِ ما فيه مِن الأمْنِ والعاقبةِ الحميدةِ [21] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/192)، ((تفسير أبي السعود)) (5/30). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أضاف الله- تعالى ذِكرُه- إخراجَ النَّاسِ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بإذنِ ربِّهم لهم بذلك؛ إلى نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو سبحانَه الهادي خَلْقَه، والموَفِّقُ مَن أحَبَّ منهم للإيمانِ؛ إذ كان منه- صلَّى الله عليه وسلَّم- دعاؤُهم إليه، وتعريفُهم ما لهم فيه وعليهم؛ فبَيِّنٌ بذلك صِحَّةُ قَولِ أهلِ الإثباتِ الذين أضافوا أفعالَ العبادِ إليهم كسْبًا، وإلى الله جلَّ ثناؤه إنشاءً وتدبيرًا، وفسادُ قَولِ أهلِ القَدَرِ الذين أنكَروا أن يكونَ لله في ذلك صُنعٌ [23] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/588-589). .
2- قولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أسنَدَ الإخراجَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سياقِ تعليلِ إنزالِ الكتابِ إليه، فأعلَمَ أنَّ إخراجَه إيَّاهم مِن الظُّلُماتِ بسبَبِ هذا الكتابِ المُنْزَلِ، أي: بما يشتَمِلُ عليه مِن معاني الهدايةِ [24] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/180). .
3- قولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، تعليلُ الإنزالِ بالإخراجِ مِن الظُّلُماتِ دَلَّ على أنَّ الهدايةَ هي مرادُ اللهِ تعالى من النَّاسِ، وأنَّه لم يترُكْهم في ضلالِهم، فمَن اهتدى فبإرشادِ الله، ومن ضَلَّ فبإيثارِ الضَّالِّ هوى نفسِه على دلائِلِ الإرشادِ، وأمرُ اللهِ لا يكونُ إلَّا لحِكَمٍ ومصالحَ بعضُها أكبَرُ مِن بعضٍ [25] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/180). .
4- في قَولِه تعالى: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ صحةُ إضافةِ الشَّيءِ إلى سَبَبِه المعلوم؛ لِقَولِه: لِتُخْرِجَ يعني: أنت- مع أنَّ المُخْرِجَ حقيقةً هو اللهُ- ولهذا قَيَّدَه بقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ حتى لا يُظَنَّ أنَّ السببَ مُسْتَقِلٌّ، فإضافةُ الشَّيءِ إلى سَبَبِه المعلومِ أمرٌ جائزٌ، ولا أحَدَ يُنكِرُه؛ فقد جاءت به السُّنَّةُ، وجاء به القرآنُ، إذا كان السَّببُ مَعلومًا، إمَّا بالشَّرعِ وإمَّا بالحِسِّ والواقِعِ، ولكنْ يجِبُ العلمُ بأنَّ هذا السبَّبَ ليس مؤثِّرًا بنَفسِه، بل بإذنِ اللهِ الذي جعَلَه سَببًا؛ ولهذا قال هنا: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [26] يُنظر: ((شرح مقدمة التفسير)) لابن عثيمين (ص: 17). .
5- قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ قولُه: النَّاسَ عامٌّ؛ إذ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مبعوثٌ إلى الخَلقِ كُلِّهم [27] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/406). .
6- قولُ الله تعالى: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ إنَّما شَبَّهَ الكُفرَ بالظُّلماتِ؛ لأنَّه نهايةُ ما يتحيَّرُ الرَّجلُ فيه عن طريقِ الهدايةِ، وشَبَّه الإيمانَ بالنُّورِ؛ لأنَّه نهايةُ ما ينجلي به طريقُ هدايتِه [28] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/57). .
7- قوله تعالى: الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ حجَّةٌ على المعتزلةِ والقدريَّةِ بيِّنةٌ، لحُكمِه بالإخراجِ عليه، واشتراطِه إذنَه. والإذنُ: الإطلاقُ، لا مجرَّد العلمِ كما يزعمونَ [29] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/21) و(4/62). .
8- قال الله تعالى: اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ كما أنَّ له مُلكَ السَّمواتِ والأرضِ؛ خَلقًا ورِزقًا وتدبيرًا، فله الحُكمُ على عبادِه بأحكامِه الدِّينيَّةِ؛ لأنَّهم مِلكُه، ولا يليقُ به أن يترُكَهم سُدًى [30] يُنظر: ((تفسير السعدي))  (ص: 421). .
9- قال الله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ كُلُّ مَن آثرَ الدُّنيا وزهرَتَها، واستحَبَّ البقاءَ في نعيمِها على النَّعيمِ في الآخرةِ، وصَدَّ عن سبيلِ اللهِ- أي: صرَفَ النَّاسَ عنه، وهو دينُ اللهِ، الذي جاءت به الرُّسُل- فهو داخِلٌ في هذه الآيةِ، وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّما أخافُ على أُمَّتي الأئمةَ المضلِّينَ )) [31] أخرجه أبو داود (4252)، والترمذي (2229)، وأحمد (22393) من حديث ثوبان رضي الله عنه. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (6714)، وقال أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (2/328 ): (ثابت من حديث أيوب عن أبي قلابةَ، وفيه ألفاظٌ تفرَّد بها عن النبيِّ ثوبانُ)، وقال ابنُ تيميةَ في ((تلبيس الجهمية)) (4/189): (محفوظٌ وأصلُه في الصحيحِ)، ووثَّق رجالَه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/242)، وصحَّحه السخاوي في ((البلدانيات)) (105)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4252). . وما أكثَرَهم في هذه الأزمانِ، واللهُ المستعانُ [32] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/339-340). .

بلاغة الآيات:

1- قوله تعالى: الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
- قولُه: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ في إسنادِ الإنزالِ إلى نُونِ العَظَمةِ ومُخاطبتِه بقولِه: إِلَيْكَ، وإسنادِ الإخراجِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَنويهٌ عَظيمٌ، وتشريفٌ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مِن حيثُ المُشاركةُ في تحصيلِ الهدايةِ بإنزالِه تعالى، وبإخراجِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذ هو الدَّاعي والمُنذِرُ، وإنْ كان الهادي في الحَقيقةِ هو اللهَ سبحانه وتعالى [33] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/405). .
- قولُه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ فيه مُناسَبَةٌ حَسَنةٌ، حيث ذُكِرَ هنا الفاعلُ بينما حُذِفَ الفاعلُ في آيةِ سُورةِ الأعرافِ في قولِه: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: 2] ، وهو مُقْتضى الظَّاهِرِ والإيجازِ، ولكنَّه ذُكِرَ هنا؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ الامتنانِ على النَّاسِ، وهو مُستَفادٌ مِن التَّعليلِ بقولِه: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، ومِن ذِكْرِ صِفةِ الرُّبوبيَّةِ بقولِه: بِإِذْنِ رَبِّهُمْ، بخِلافِ آيةِ سُورةِ الأعرافِ؛ فإنَّها في مَقامِ الطَّمأنَةِ والتَّصبيرِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فكان التَّعرُّضُ لِذكْرِ المُنْزَلِ إليه، والاقتصارُ عليه أهمَّ في ذلك المَقامِ، مع ما فيه مِن قَضاءِ حقِّ الإيجازِ؛ أمَّا التَّعرُّضُ للمُنْزَلِ إليه هنا فللتَّنويهِ بشأْنِه، ولِيُجْعَلَ له حَظٌّ في هذه المِنَّةِ وهو حظُّ الوَساطةِ، كما دلَّ عليه قولُه: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، ولِمَا فيه مِن غَمِّ المُعاندينَ والمُبْغضينَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ولأجْلِ هذا المَقصِدِ وقَعَ إظهارُ صِفاتِ فاعِلِ الإنزالِ ثلاثَ مرَّاتٍ في قولِه: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، بعدَ أنْ كان المَقامُ للإضمارِ تَبَعًا لِقولِه: أَنْزَلْنَاهُ [34] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/179). .
- قولُه: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ استِئنافٌ مَبْنيٌّ على سؤالٍ، كأنَّه قيل: إلى أيِّ نورٍ؟ فقيل: إلى صِراطِ العزيزِ الحميدِ. أو بدلٌ مِن قولِه: إِلَى النُّورِ بإعادةِ العامِلِ (إلى). وإضافةُ الصِّراطِ إلى اللهِ تعالى؛ لأنَّه مَقصِدُه، أو المُظْهِرُ والمُبَيِّنُ له [35] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/192)، ((تفسير أبي السعود)) (5/30). .
- اختِيرَ وصْفُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ مِن بَينِ الصِّفاتِ العُلَا لمزيدِ مُناسبتِها للمقامِ؛ لأنَّ (العزيز) الذي لا يُغلَب، وإنزالَ الكتابِ بُرهانٌ على أحقيَّةِ ما أرادَه اللهُ مِن الناس؛ فهو به غالبٌ للمُخالِفين، مُقيمٌ الحُجَّةَ عليهم. و(الحَميد): بمعنى المحمود؛ لأنَّ في إنزالِ هذا الكتابِ نِعمةً عَظيمةً تُرشِدُ إلى حَمْدِه عليه، وبذلك استَوعَبَ الوصفانِ الإشارةَ إلى الفَريقينِ مِن كُلِّ مُنساقٍ إلى الاهتداءِ مِن أوَّلِ وهلةٍ، ومِن مُجادِلٍ صائرٍ إلى الاهتداءِ بعدَ قِيامِ الحُجَّةِ، ونفادِ الحِيلةِ [36] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/181)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (6/406). .
- وفي قولِه: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ تَقدَّمَت صِفةُ العزيزِ؛ لِتقدُّمِ ما دلَّ عليها، وتَلِيها صِفةُ الحميدِ؛ لِتُلُوِّ ما دلَّ عليها [37] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/406). .
2- قوله تعالى: اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
- قولُه: وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فيه وعيدٌ لِمَن كفَرَ بالكتابِ ولم يخرُجْ به مِن الظُّلماتِ إلى النُّورِ بالويلِ، وهو نقيضُ (الوَأْلِ) وهو النَّجاةُ، و(ويل) كَلِمةُ وعيدٍ وتَهديدٍ، ورُفِعتْ؛ للدَّلالةِ على الثَّباتِ، كـ (سلامٌ عليك) [38] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/192)، ((تفسير أبي السعود)) (5/31)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/144). .
3- قوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ
- قولُه: يَسْتَحِبُّونَ بمعنى يُحِبُّونَ؛ فالسِّينُ والتَّاءُ للتَّأكيدِ، مثْلَ: استقدَمَ واستأخَرَ [39] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/184). .
- قولُه: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فيه الاقتصارُ على إضافةِ سَبِيل إلى الاسمِ الجليلِ المُنْطوي على كلِّ وصْفٍ جميلٍ؛ لِرَوْمِ الاختصارِ [40] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/31). .
- والإشارةُ في قولِه: أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ؛ للتَّنبيهِ على أنَّهم أحرياءُ بما وُصِفُوا به مِن الضَّلالِ بسبَبِ صَدِّهم عن سَبيلِ الحقِّ، وابتغائِهم سَبيلَ الباطِلِ، ووصْفُ الضَّلالِ بالبعيدِ: يجوزُ أنْ يُرادَ وصْفُه بالبُعْدِ على تَشبيهِهِ بالطَّريقِ الشَّاسعةِ الَّتي يَتعذَّرُ رُجوعُ سالكِها، أي: ضلالٌ قَويٌّ يَعسُرُ إقلاعُ صاحِبِه عنه؛ ففيه استبعادٌ لاهتداءِ أمثالِهم [41] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/184-185).
- قولُه: فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ دلَّ حرْفُ الظَّرفيَّةِ فِي على أنَّ الضَّلالَ مُحيطٌ بهم، وجَلْبَبَهم بِسَوادِه؛ فهم مُتمكِّنونَ منه، ومُنغمِسونَ فيه إلى الأذقانِ، يتخبَّطونَ في مَتاهاتِه، ويتعسَّفونَ في ظُلماتِه [42] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/184)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/143). ، ففي جعْلِ الضَّلالِ مُحيطًا بهم إحاطةَ الظَّرفِ بما فيه ما لا يخفى مِن المُبالَغةِ [43] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/31). .