الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: رَهنُ الدَّينِ


اختلَف العُلَماءُ في حُكمِ رَهنِ الدَّينِ [53] ورَهنُ الدَّينِ إمَّا أن يَرهَنَه لدى من هو عليه، أو يَرهَنَه من غيرِ المَدينِ: فرَهنُ الدَّينِ عندَ من هو عليه: كأن يكونَ لزيدٍ دَينٌ ألفُ ريالٍ على عمرٍو، فيشتريَ منه زيدٌ سِلعةً مُعَيَّنةً بالآجِلِ ويجعَلَ الدَّينَ الذي عليه رَهنًا لديه. وأمَّا رَهنُه من غيرِ المدينِ: كأن يكونَ لزيدٍ دَينٌ ألفُ ريالٍ على عَمرٍو، ثمَّ يشتريَ زيدٌ سلعةً بالآجِلِ من أحمدَ، ويجعلَ الدَّينَ الذي على عمرٍو رَهنًا لدى أحمدَ. على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: لا يجوزُ رَهنُ الدَّينِ مُطلَقًا، سواءٌ كان ممَّن هو عليه الدَّينُ، أو مِن غَيرِ مَن هو عليه، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحنفيَّةِ [54] ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (4/290) ((أحكام القرآن)) للجصاص (2/261). ، والشَّافِعيَّةِ [55] ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (5/55)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/122)، ويُنظَر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (2/144). ، والحنابِلةِ [56] ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/321)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (3/249). .
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن الكتابِ
قولُه تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: 283] .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ وصَف الرِّهانَ بأنَّها مقبوضةٌ، والدَّينُ لا يُمكِنُ قَبضُه؛ فلا يصِحُّ رَهنُه [57] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص (2/261). .
ثانيًا: لأنَّه قَبلَ قَبضِه لا وُثوقَ به لعَدمِ القُدرةِ عليه، وبَعدَه لم يَبقَ دَينًا [58] يُنظر: ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (5/55). .
القولُ الثَّاني: يجوزُ رَهنُ الدَّينِ مُطلَقًا، سواءٌ كان ممَّن هو عليه الدَّينُ، أو مِن غَيرِ مَن هو عليه، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ [59] اشترط المالِكيَّةُ أن يكونَ أجَلُ الدَّينِ الرَّهنَ، مِثلُ أجَلِ الدَّينِ الذي فيه الرَّهنُ أو يكونُ أبعَدَ منه. يُنظَر: ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/231). ، وقولٌ عندَ الشَّافِعيَّةِ [60] ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/122). ، وقولٌ عندَ الحنابِلةِ [61] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/101)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/321). ، وهو اختِيارُ هَيئةِ المُحاسَبةِ والمُراجَعةِ للمُؤسَّساتِ الإسلاميَّةِ [62] جاء في المعيار الشرعي رقم (39) (الأصلُ أن يكونَ المرهونُ عينًا، ويجوزُ أن يكون دَينًا أو نقدًا أو مالًا مِثليًّا أو استهلاكيًّا) ((المعايير الشرعية)) (ص: 959). ، وابنِ عُثَيمينَ [63] قال ابنُ عثيمين: (مثالُ الدَّينِ: أنا أطلُبُ فلانًا عشرةَ آلافِ ريالٍ فأمسَكْتُه وقُلتُ: أعطني عشرةَ آلافِ ريالٍ، فقال: ما عندي، قلتُ: أنت تطلُبُ فلانًا عشرةَ آلافِ ريالٍ، اجعَلْ دينَه الذي لك رهنًا لي، فهنا توثقةُ دَينٍ بدَينٍ فلا يَصِحُّ؛ وذلك لأنَّ الدَّينَ الذي في ذِمَّةِ الآخَرِ لا يجوزُ بيعُه إلَّا على من هو عليه، فإذا كان كذلك فإنَّه لا يصِحُّ أن يكونَ رهنًا. وقيل: بل يصِحُّ أن يُوَثَّقَ الدَّينُ بالمنافِعِ؛ لأنَّ المقصودَ التَّوثقةُ، وبالدَّينِ، ويكونُ المدينُ الثَّاني كأنَّه ضامِنٌ، فيقولُ: نعم، أنا مستَعِدٌّ أن أوفِّيَك ما في ذِمَّتي لفلانٍ إذا لم يُوَفِّكَ. وهذا هو الصَّحيحُ؛ فقد يكونُ رجائي لحصولي على الدَّينِ من ذِمَّةِ فلانٍ أقوى من رجائي لحصولِه من الأصلِ) ((الشرح الممتع)) (9/119). ، وذلك لأنَّ الدَّينَ ينزِلُ منزِلةَ العَينِ، فيجوزُ بَيعُ الدَّينِ كالعَينِ، وكُلُّ ما جاز بَيعُه جاز رَهنُه [64] يُنظر: ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (10/3) ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/122) .

انظر أيضا: