الموسوعة الفقهية

مَطلَبٌ: الهَدِيَّةُ غَيْرُ المَشْروطةِ قَبْلَ الوَفاءِ


لا يَجوزُ أن يُهدِيَ المُقتَرِضُ للمُقرِضِ هَدِيَّةً قَبْلَ وَفاءِ القَرْضِ ولو كانَتْ غَيْرَ مَشْروطةٍ، إذا لم تَجْرِ العادةُ قَبْلَ القَرْضِ على ذلك، وهو مَذهَبُ المالِكِيَّةِ [264] ((التاج والإكليل)) للمواق (4/546)، ((منح الجليل)) لعليش (5/403). ، والحَنابِلةِ [265] ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/318)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (3/246). ، واخْتارَه ابنُ تَيْمِيَّةَ [266] قالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: (فإنَّ القَرْضَ لا يُستَحَقُّ به إلَّا مِثلُه. ولو قالَ له وَقْتَ القَرْضِ: أنا أُعْطيك مِثلَه وهذه الهَدِيَّةَ، لم يَجُزْ بالإجْماعِ، فإذا أَعْطاه قَبْلَ الوَفاءِ الهَدِيَّةَ الَّتي هي مِن أجْلِ القَرْضِ على أن يوفيه معَها مِثلَ القَرْضِ كانَ ذلك مُعاقَدةً على أخْذِ أَكثَرَ مِن الأصْلِ؛ ولِهذا لو أَهْدى إليه على العادةِ الجارِيةِ بَيْنَهما قَبْلَ القَرْضِ لم يكنْ كذلك). ((مجموع الفتاوى)) (30/107). ، وابنُ القَيِّمِ [267] قالَ ابنُ القَيِّمِ: (مُنِعَ المُقرِضُ مِن قَبولِ هَدِيَّةِ المُقتَرِضِ، ما لم يكنْ بَينَهما عادةٌ جارِيةٌ بذلك قَبْلَ القَرْضِ. ففى سُنَنِ ابنِ ماجه عن يَحْيى بن أبي إسْحاقَ الهنائيِّ. قالَ سَألْتُ أَنَسَ بنَ مالِكٍ: الرَّجُلُ مِنَّا يُقرِضُ أخاه المالَ، فيُهْدى إليه؟ فقالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وآلِه وسلَّمَ: «إذا أَقرَضَ أحَدُكم قَرْضًا فأَهْدى إليه، أو حَمَلَه على الدَّابَّةِ فلا يَرْكَبَنَّها، ولا يَقبَلْه إلَّا أن يكونَ جَرى بَيْنَه وبَيْنَه قَبْلَ ذلك») ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) (1/363). ، والشَّوْكانيُّ [268] قال الشَّوْكانيُّ: (الهَدِيَّةُ والعارِيَّةُ ونَحْوُهما إذا كانَتْ لأجْلِ التَّنْفيسِ في أجَلِ الدَّيْنِ، أو لأجْلِ رِشوةِ صاحِبِ الدَّيْنِ، أو لأجْلِ أن يكونَ لصاحِبِ الدَّيْنِ مَنْفعةٌ في مُقابِلِ دَيْنِه؛ فذلك مُحرَّمٌ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن الرِّبا أو رِشوةٌ، وإن كانَ ذلك لأجْلِ عادةٍ جارِيةٍ بَيْنَ المُقرِضِ والمُستَقرِضِ قَبْلَ التَّدايُنِ فلا بأسَ). ((نيل الأوطار)) (5/275). ، وبه أَفْتَتِ اللَّجْنةُ الدَّائِمةُ بالسُّعودِيَّةِ [269] جاءَ في فَتْوى اللَّجْنةِ الدَّائِمةِ: (فقدْ ثَبَتَ مِن هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه أَهْدى وقَبِلَ الهَدِيَّةَ، فيُستَحَبُّ للمُسلِمِ قَبولُها ما لم تكنْ له وِلايةٌ كقاضٍ ونَحْوِه، وما لم تكنِ الهَدِيَّةُ مِن مُقتَرِضٍ لمَن أَقرَضَه ما لم تَجْرِ العادةُ بمِثلِه). ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (8/383). ، وابنُ عُثَيْمينَ [270] قالُ ابنُ عُثَيْمينَ: (وله: «لِمُقرِضِه قَبْلَ وَفائِه بشيءٍ لم تَجْرِ عادتُه به لم يَجُزْ» سواءٌ كانَ ذلك قَليلًا أو كَثيرًا. وعُلِمَ مِن قَوْلِه: «لم تَجْرِ عادتُه به» أنَّه لو كانَ مِن عادتِه أن يَتَبَرَّعَ له في مِثلِ هذه المُناسَبةِ، فإنَّه لا بَأسَ أن يَقبَلَ، وإن لم يَحْتَسِبْه مِن دَيْنِه. مِثالُه: أن يكونَ الَّذي أَقرَضَه صاحِبًا له، وجَرَتِ العادةُ أنَّه إذا سافَرَ يُعْطيه هَدِيَّةً بَعْدَ رُجوعِه مِن السَّفَرِ، كما هو مَعْروفٌ فيما سَبَقَ، فهذا المُقتَرِضُ سافَرَ ورَجَعَ مِن سَفَرِه، وكانَ مِن عادتِه أن يُعطِيَ الَّذي أَقرَضَه هَدِيَّةَ السَّفَرِ، فأَعْطاه هَدِيَّةَ السَّفَرِ بَعْدَ أن اقْتَرَضَ مِنه، فهذا لا بَأسَ به؛ لأنَّ الحامِلَ له ليس هو الاقْتِراضَ، بلِ الحامِلُ له هو المَوَدَّةُ والمُصاحَبةُ بَيْنَه وبَيْنَ صاحِبِه). ((الشرح الممتع)) (9/113). .
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن السُّنَّةِ
عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِديِّ قالَ: ((اسْتَعْمَلَ رَسولُ اللهِ رَجُلًا على صَدَقاتِ بَني سُلَيْمٍ يُدْعى ابنَ اللُّتَبِيَّةِ، فلما جاءَ حاسَبَه، قالَ: هذا مالُكم وهذا هَدِيَّةٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أبيك وأُمِّك حتَّى تَأتيَك هَدِيَّتُك إن كُنْتَ صادِقًا! ثُمَّ خَطَبَنا فحَمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنِّي أَستَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنكم على العَمَلِ ممَّا وَلَّاني اللهُ، فيَأتي فيَقولُ: هذا مالُكم وهذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي، أَفَلا جَلَسَ في بَيْتِ أبيه وأُمِّه حتَّى تَأتيَه هَدِيَّتُه! واللهِ لا يَأخُذُ أحَدٌ مِنكم شَيئًا بغَيْرِ حَقِّه إلَّا لَقِيَ اللهَ يَحمِلُه يَوْمَ القِيامةِ، فلَأَعْرِفَنَّ أحَدًا مِنكم لَقِيَ اللهَ يَحمِلُ بَعيرًا له رُغاءٌ، أو بَقَرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيه حتَّى رُئِيَ بَياضُ إبْطَيه، يقولُ: اللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ، بَصْرَ عَيْني وسَمْعَ أذُني)) [271] أخرجه البُخارِيُّ (6979) واللَّفظُ له، ومسلم (1832). .
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَعَلَ سَبَبَ الهَدِيَّةِ هو الوِلايةَ على أمورِ المُسلِمينَ، وما أُهْدِيَ بسَبَبٍ أُلحِقَ به، وكذلك الهَدِيَّةُ بسَبَبِ القَرْضِ تَلحَقُ به، فتكونُ زِيادةً، والزِّيادةُ في القَرْضِ مُحَرَّمةٌ [272] ((مجموع الفتاوى)) لابن تَيْمِيَّةَ (29/335) و(30/106). .
ثانِيًا: مِن الآثارِ
1 - عن سَعيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، (أتَيْتُ المَدينةَ فلَقيْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فقالَ: أَلَا تَجيءُ فأُطعِمَكَ سَويقًا وتَمْرًا، وتَدخُلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّك بأرْضٍ الرِّبا بها فاشٍ، إذا كانَ لك على رَجُلٍ حَقٌّ، فأَهْدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شَعيرٍ، أو حِمْلَ قَتٍّ، فلا تَأخُذْه؛ فإنَّه رِبًا) [273] أخرجه البُخارِيُّ (3814). .
2- عن أبى صالِحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (أنَّه قال في رَجُلٍ كانَ له على رَجُلٍ عِشْرونَ دِرْهَمًا، فجَعَلَ يُهْدي إليه وجَعَلَ كلَّما أَهْدى إليه هَدِيَّةً باعَها حتَّى بَلَغَ ثَمَنُها ثَلاثةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: لا تَأخُذْ مِنه إلَّا سَبْعةَ دَراهِمَ) [274] أخرجه الحاكِمُ كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (3/379)، والبيهقي (11249). صَحَّحَ إسْنادَه الألْبانيُّ في ((إرْواءِ الغَليلِ)) (5/234)، وقالَ البُوصيريُّ في ((إتْحافِ الخيرةِ المَهرةِ)) (3/379): له شاهِدٌ. وأَخرَجَه مِن طَريقٍ آخَرَ ابنُ الجَوْزيِّ في ((التَّحْقيقِ)) (1505): عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ فقالَ له: إنِّي أَقرَضْتُ رَجُلًا يَبيعُ السَّمَكَ عِشْرينَ دِرْهمًا، فأَهْدى إليَّ سَمَكةً قَوَّمْتُها ثَلاثةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فقالَ: خُذْ مِنه سَبْعةَ دَراهِمَ. .
ثالِثًا: لأنَّه إنَّما أَهْداه لأجْلِ المُعامَلةِ الَّتي بَيْنَهما مِن القَرْضِ [275] ((مجموع الفتاوى)) لابن تَيْمِيَّةَ (30/106). .
رابِعًا: لأنَّ هذا ظاهِرٌ في الاعْتِبارِ؛ فإنَّه إذا قَبِلَ الهَدِيَّةَ قَبْلَ الاسْتيفاءِ فقدْ دَخَلَ معَه على أن يَأخُذَ الهَدِيَّةَ وبَدَلَ القَرْضِ عِوَضًا عن القَرْضِ، وهذا عَيْنُ الرِّبا؛ فإنَّ القَرْضَ لا يُستَحَقُّ به إلَّا مِثلُه [276] ((مجموع الفتاوى)) لابن تَيْمِيَّةَ (30/106، 107). .
خامِسًا: أنَّ ما جَرَتْ به العادةُ بَيْنَ المُقرِضِ والمُقتَرِضِ مِن الإهْداءِ جائِزٌ؛ لأنَّ سَبَبَ الإهْداءِ ليس الاقْتِراضَ، بل سَبَبُه مَعنًى آخَرُ كالمَوَدَّةِ والمُصاحَبةِ [277] يُنظَرُ: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (9/113). .

انظر أيضا: