الموسوعة الفقهية

المطلب السابع: مكانُ المُشاةِ والرُّكبانِ المُتَّبعينَ للجِنازة


الفرع الأول: مكانُ المُشاةِ المُتَّبعينَ للجِنازة
اختلف أهلُ العِلمِ في الأفضل لِمَنْ تَبِعَ الجِنازة من المُشاة: هل يكون أمامَها أو خَلْفَها؛ على ثلاثةِ أقوال:
القول الأول: الأفضلُ لِمَن تَبِعَ الجِنازة من المُشاةِ أن يكون أمامَها، وهو مذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّة [8457] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/227). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/128). ، والشَّافعيَّة [8458] ((المجموع)) للنووي (5/279)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/340). ، والحَنابِلَة [8459] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/129)، ((المغني)) لابن قدامة (2/354). إلَّا أنَّ عند الحنابلةِ لا يُكْرَه أن يمشِيَ مُتَّبِعو الجنائِزِ حيث شاؤوا عن يمينِها أو يسارِها. ، وهو قولُ بعضِ السَّلَف [8460] ((المجموع)) للنووي (5/279). ، وقال به أكثرُ أهلِ العلمِ، وكان يفعَلُه أكثرُ الصَّحابةِ [8461] ((معالم السنن)) للخطابي (1/307). ، وحُكي فيه إجماعُهم [8462] قال أبو الوليد الباجي: (قولُه: إنَّه رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ النَّاسَ أمام الجِنازَة على نحو ما ذكرناه من رواية ابن شهاب، وزاد في هذا أنَّه بين أنَّه مِمَّا كان يأمر به ويأخُذُ النَّاس بالتزامِه والعمل به، وقد فعل ذلك عمرُ بحضرة الصَّحابة لا سيما في مثل جِنازَة زينبَ بنتِ جَحشٍ زوجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنَّه لا يتخلَّفُ عنها أحدٌ إلا لعُذرٍ، ثم لم يَثْبُتْ في ذلك إنكارٌ من أحد، فثبت أنَّه إجماع). ((المنتقى شرح الموطأ)) (2/9). ؛ وذلك لأنَّه شفيعٌ، وحَقُّ الشَّفيعِ أن يتقَدَّم [8463] ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/311).
القول الثاني: أنَّ الأفضلَ لِمَنْ تَبِعَ الجِنازة مِنَ المشاةِ أن يمشي خَلْفَها، وهو مذهَبُ الحَنفيَّة [8464] ((تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ)) (1/244)، ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 605). ، وقولٌ عند المالِكيَّة [8465] ((الذخيرة)) للقرافي (2/465). ، وقال به بعضُ السَّلَفِ [8466] ((المجموع)) للنووي (5/279). ، وهو قولُ ابنِ حزمٍ [8467] ((المحلى)) لابن حزم (3/393).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن البَراءِ بنِ عازب رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: ((أَمَرَنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بسَبْعٍ، ونهانا عن سبعٍ: أمَرَنا باتِّباعِ الجَنائِز.. )) [8468] أخرجه البخاري (1239) واللفظ له، ومسلم (2066).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ لَفْظَ الاتِّباعِ لا يقَعُ إلَّا على التَّالي، ولا يُسَمَّى المتقدِّمُ تابعًا، بل هو متبوعٌ [8469] ((المحلى)) لابن حزم (3/393).
ثانيًا: من الآثار
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: (المَشيُ خَلْفَها أفضَلُ من المَشْيِ أمامَها؛ كفضلِ صلاةِ الرَّجُلِ في جماعةٍ على صلاتِه فذًّا) [8470] أخرجه ابن أبي شيبة (11239)، وأحمد (754)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (2761)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (6868). صححه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/482)، وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (3/219): إسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع. وقال الألباني في ((أحكام الجنائز)) (96): (رُوِيَ من طريقينِ يتقَوَّى أحدهما بالطريق الآخر).
ثالثًا: لأنَّها متبوعةٌ؛ فيجب أن تُقَدَّمَ كالإمامِ في الصَّلاة [8471] ((المغني)) لابن قدامة (2/354).
القول الثالث: الماشي المتقدِّمُ على الجِنازة والمتأخِّرُ عنها، كلاهما سواءٌ، وهو قولٌ عند الحَنابِلَة [8472] ((الإنصاف)) للمرداوي (2/379). ، وبه قالت طائفةٌ مِنَ السَّلَفِ [8473] ((طرح التثريب)) للعراقي (3/263). ، واختاره الطبريُّ [8474] ((التمهيد)) لابن عبد البر (12/97). ، والشوكانيُّ [8475] ((الدراري المضية)) للشوكاني (1/140). ، وابنُ عثيمينَ [8476] ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (17/171). ؛ وذلك لأنَّ فيه توسعةً على المُشَيِّعين، وهو يوافِقُ سُنَّةَ الإسراعِ بالجِنازة، وأنَّهم لا يلزمونَ مكانًا واحدًا يَمشونَ فيه؛ لئلَّا يَشُقَّ عليهم [8477] ((سبل السلام)) للصنعاني (2/108).
الفرع الثاني: الرُّكوبُ عند التَّشييعِ
المسألة الأولى: حُكمُ الرُّكوبِ عند التَّشييعِ
يُكْرَه الرُّكوبُ في حالِ تشييعِ الجِنازة، وهذا مذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّة [8478] ((التاج والإكليل)) لابن المواق (2/227). ويُنظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي (2/9). ، والشَّافعيَّة [8479] ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/359). ويُنظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/311)، الشافعية قالوا: لا بَأْسَ بالركوبِ في الرُّجوعِ من الجِنازَة، ولا يُكرَه. ، والحَنابِلَة [8480]  ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/369)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/129). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/355). ، وقالت به طائفةٌ مِنَ السَّلَفِ [8481] ((مصنف ابن أبي شيبة)) (11257، 11259)، ((الأوسط)) لابن المنذر (3028، 3029).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
عن جابرِ بنِ سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: ((أُتِيَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بفَرَسٍ مُعْرَوْرًى [8482] أيْ: لا سَرْجَ عليه ولا غَيْرَه. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/225). ، فرَكِبَه حين انصرف من جِنازة ابنِ الدَّحداحِ، ونحن نمشي حولَه )) [8483] أخرجه مسلم (965).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رَكِبَ حين انصرَفَ مِن جِنازة؛ فدَلَّ على إباحةِ الرُّكوبِ في الرُّجوعِ مِنَ الجِنازة، لا الذَّهابِ معها [8484] ((شرح النووي على مسلم)) (7/33).
عن ثوبانَ رَضِيَ اللهُ عنه، ((أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُتِيَ بدابَّةٍ وهو مع الجِنازة فأبى أن يَرْكَبَها، فلمَّا انصرف أُتِيَ بدابَّةٍ فَرَكِبَ، فقيل له، فقال: إنَّ الملائكةَ كانت تَمْشي، فلم أكُنْ لِأَرْكَبَ وهم يَمشونَ، فلمَّا ذهبوا رَكِبْتُ )) [8485] أخرجه أبو داود (3177)، والحاكم في المستدرك (1314)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (6854). قال الحاكم في ((المستدرك)) (1314): صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (97)، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (4/117): رجال إسناده رجال الصحيح، وصححه أيضًا الألباني على شرط الشيخين في ((التعليقات الرضية)) (1/458).
ثانيًا: لأنَّ المَشْيَ في الجِنازة أقربُ إلى الخُشوعِ، وأليَقُ بحالِ الشَّفيعِ [8486] ((المحيط البرهاني)) لابن مازة (2/176).
ثالثًا: أنَّ المَشْيَ مع الجِنازة فِعْلُ بِرٍّ، وموضِعُ تواضُعٍ [8487] ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي (2/9).
المسألة الثانية: موضِعُ الرُّكبانِ من الجِنازة
الأفضلُ لِمَنْ تَبِعَ الجِنازة راكبًا أن يكون خَلْفَها، وهو مذهَبُ الجمهورِ: الحَنفيَّة [8488] ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 401)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/233). ، والمالِكيَّة [8489] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/227). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/128). ، والحَنابِلَة [8490] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/129). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/355).، وهو قولُ ابنِ حزمٍ [8491] ((المحلى)) لابن حزم (3/393).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
 عن البراءِ بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: ((أَمَرَنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ: أَمَرَنا باتِّباعِ الجَنائِز.. )) [8492] أخرجه البخاري (1239) واللفظ له، ومسلم (2066).
وَجهُ الدَّلالةِ:
لفظ الاتِّباع لا يقَعُ إلا على التالي، ولا يُسَمَّى المتقدِّمُ تابعًا، بل هو متبوعٌ [8493] ((المحلى)) لابن حزم (3/393).
ثانيًا: لأنَّه بِسَيْرِ الرَّاكِبِ أمامَها يتضرَّرُ النَّاسُ بإثارةِ الغُبارِ [8494] ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 401).

انظر أيضا: