الموسوعة الفقهية

المطلب الثاني: مشروعيَّةُ القَصْرِ في السَّفَرِ


يُشرَعُ قَصرُ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ في السَّفرِ، في الجُملةِ.
الأدلَّة:
أولًا: من الكِتاب
قال اللهُ تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء: 101]
ثانيًا: من السُّنَّة
1- عن يَعلَى بن أُميَّة رَضِيَ اللهُ عنه قال: (سألتُ عُمرَ بن الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه قلتُ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقد أمَّن اللهُ الناسَ؟ فقال لي عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: عجبتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذلك فقال: ((صَدقَةٌ تَصدَّق اللهُ بها عليكم، فاقْبَلوا صَدقتَه )) رواه مسلم (686).
2- عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((صحبتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكان لا يَزيدُ في السَّفرِ على ركعتينِ، وأبا بكر وعُمرَ وعثمانَ كذلك، رَضِيَ اللهُ عنهم )) رواه البخاري (1102) واللفظ له، ومسلم (689).
3- عن عبدِ اللهِ بن عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ الله يحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يُحبُّ أن تُؤتَى عزائمُه )) رواه أحمد (2/108) (5866)، وابن خزيمة (2/73) (950)، وابن حبان (6/451) (2742). صحَّح إسنادَه المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (1/147)، وجوَّد إسنادَه النوويُّ في ((الخلاصة)) (2/729)، وقال الزيلعيُّ في ((تخريج الكشاف)) (3/72): «فيه» عُمارة بن غَزيَّة؛ احتجَّ به مسلم، ووثَّقه أحمدُ وأبو زرعة، وقال ابن معين: هو صالحُ الحديث، وقال أبو حاتمٍ: كان صدوقًا، وقال ابن سعد: كان ثِقةً، وضعَّفه ابنُ حزْم وَحْدَه. وحربُ بن قيس؛ ذكَره ابن أبي حاتم ولم يَذكُر فيه جرحًا. وحسَّن إسنادَه الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) (3/165) وقال: رِجالُه رجالُ الصَّحيح. ووثَّق رِجالَه البُوصِيريُّ في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (3/115) وقال: وله شاهدٌ، وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في تحقيق ((المسند)) (8/135)، وصحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح الجامع)) (1886)، وقال ابن عثيمين في ((مجموع فتاواه)) (20/237): في سنده شيءٌ من الاضطراب، لكن له شواهد.
ثالثا: مِنَ الِإِجْماع
نقَل الإجماعَ على مشروعيَّة قَصْر الصَّلاةِ للمسافرِ: ابنُ المنذر قال ابنُ المُنذر: (أجمَع أهلُ العلم على أنَّ لِمَن سافر سفرًا يُقصَر في مثله الصلاة وكان سفرُه في حجٍّ، أو عُمرة، أو جِهاد، أن يَقصُر الظهرَ والعصر والعشاء، فيُصلِّي كلَّ واحد منها ركعتَينِ ركعتَينِ) ((الأوسط)) (4/379). وقال أيضًا: (أجمَع أهلُ العِلم لا اختلافَ بينهم على أنَّ لِمَن سافر سفرًا يُقصَر في مِثله الصَّلاة، وكان سفره في حجٍّ، أو عُمرة، أو غزوٍ، أنَّ له أن يقصُر الصلاةَ ما دام مسافرًا) ((الأوسط)) (4/396). ، وابنُ عبد البَرِّ قال ابنُ عبد البَرِّ: (أجمَع العلماء على أنَّ للمسافر أن يَقصُر الصَّلاةَ إذا سافَر في حجٍّ، أو عُمرة، أو غزوٍ، سفرًا طويلًا أقله ثلاثة أيَّام، فله أن يَقصُرَ ثلاثة أيَّام صلاةَ الظهر والعصر والعشاء، من أربع إلى اثنتين، لا يختلفون في ذلك) ((الاستذكار)) (2/218). ، وابنُ رُشد قال ابنُ رُشد: (أمَّا القصر فإنَّه اتَّفق العلماءُ على جواز قصْر الصَّلاة للمسافر، إلَّا قول شاذٌّ، وهو قول عائشةَ، وهو: أنَّ القصر لا يجوز إلَّا للخائف؛ لقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ((بداية المجتهد)) (1/166). ، وابنُ قُدامة قال ابنُ قُدامة: (الأصل في قصْر الصلاة الكتاب، والسُّنة، والإجماع) ((المغني)) (2/188). وقال أيضًا: (أجمَع أهلُ العِلم على أنَّ مَن سافر سفرًا تُقصَر في مثله الصلاة في حجٍّ، أو عُمرة، أو جهادٍ، أنَّ له أن يَقصُرَ الرباعية فيُصلِّيَها ركعتينِ) ((المغني)) (2/188). ، والنوويُّ قال النوويُّ: (يجوز القصرُ في السفر في الظهر والعصر والعشاء، ولا يجوز في الصبح والمغرب، ولا في الحضر، وهذا كلُّه مُجمَعٌ عليه) ((المجموع)) (4/322). ، وابنُ تَيميَّة قال ابنُ تَيميَّة: (ولهذا كان أهلُ السُّنة مُجمِعين على جواز القَصْر في السَّفر) ((مجموع الفتاوى)) (24/31). وقال أيضًا: (وقد اتَّفق العلماءُ على جواز القصر في السَّفر، واتَّفقوا أنه الأفضل إلَّا قولًا شاذًّا لبعضهم) ((مجموع الفتاوى)) (22/291).
فَرْع: حُكمُ مَن سافَرَ ليترخَّصَ
لا يجوزُ إنشاءُ السَّفرِ من أجْلِ الترخُّصِ برُخَص السَّفرِ، من الإفطارِ في رمضان، وقَصْرِ الصَّلاة، ومَن أنشأ السَّفرَ لذلك لم يُبَحْ له الترخُّصُ؛ نصَّ على هذا فقهاءُ الشافعيَّة قال الهيتمي: (لا يُباح الفِطرُ حيث لم يُخشَ مبيحُ تيمُّمٍ لِمَن قصَد بسفره محضَ الترخُّص، كمَن سلك الطريقَ الأبعد للقصر) ((تحفة المحتاج)) (3/430) وينظر: ((المنثور في القواعد)) للزركشي (2/160). ، والحَنابِلَة قال ابن قاسم عند قولِ الماتن: (وإن سافرَ ليُفطِرَ حَرُمَا)- قال: (أي: السَّفر والإفطار، حيث لا عِلَّة للسفر إلا الفطر، فأمَّا الفطر فلعدمِ العُذر المبيح، وهو السَّفر المباح، وأمَّا السفر فلأنَّه وسيلةٌ إلى الفِطر المحرَّم) ((حاشية الروض المربع)) (3/375)، ويُنظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/506). ، واختارَه ابنُ القيِّم قال ابن القيِّم: (وإن كانت الحيلة فِعلًا يُفضي إلى غرض له، مِثل أن يُسافر في الصيف ليتأخَّرَ عنه الصوم إلى الشِّتاء، لم يحصُلْ غرضُه، بل يجب عليه الصومُ في هذا السفر) ((إغاثة اللهفان)) (1/372). ، وابنُ عثيمين قال ابنُ عثيمين: (الصِّيام في الأصل واجبٌ على الإنسان، بل هو فرضٌ ورُكن من أركان الإسلام كما هو معلوم، والشيء الواجب في الشَّرع لا يجوزُ للإنسان أن يَفعل حيلةً ليسقطَه عن نفسه، فمَن سافر من أجْل أن يفطر كان السفرُ حرامًا عليه، وكان الفطر كذلك حرامًا عليه، فيجب عليه أن يتوبَ إلى الله عزَّ وجلَّ، وأن يرجِع عن سفره ويصوم، فإنْ لم يرجع وجَب عليه أن يصومَ، ولو كان مسافرًا، وخلاصة الجواب: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسَّفر؛ لأنَّ التحيُّل على إسقاط الواجب لا يُسقِطُه كما أنَّ التحيُّل على المحرَّم لا يجعله مباحًا) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (19/133).
وذلك للآتي:
أولًا: أنَّ السفرَ للترخُّصِ وسيلةٌ إلى الفِطرِ المحرَّمِ، وما كان وسيلةً إلى الحرامِ، فهو حرامٌ ((حاشية الروض المربع)) لابن قاسم (3/375).
ثانيًا: أنَّ التحيُّلَ على إسقاطِ الواجِبِ لا يُسقِطُه، كما أنَّ التحيُّلَ على المحرَّمِ لا يَجعله مباحًا ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (19/133).

انظر أيضا: