بحث متقدم



المبحث الثاني: أثر أصولهم الخمسة العقدية في آرائهم الأصولية

إذا نظرنا إلى أصول المعتزلة الخمسة العقدية، وهي: التوحيد والعدل، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وجدنا أن من أهم هذه الأصول على الإطلاق عندهم، التوحيد والعدل، ولهذا فإنهم يفخرون بتسميتهم (الموحدة) و (العدلية)، أو (أهل العدل والتوحيد).
وبناء على ذلك، فإنهم يجعلون التوحيد أصلا مستقلا، ويجعلون العدل أصلا مستقلا كذلك، إلا أنه لا يمكن فصل العدل عن التوحيد عندهم أبدا، بل هو مترتب ومبني عليه، ولهذا قالوا: (والأصل في ذلك أن الذي يلزم العلم به أولا هو التوحيد، ويرتب عليه العدل لوجهين: أحدهما: أن العلم بالعدل علم بأفعاله تعالى، فلا بد من تقدم العلم بذاته ليصح أن نتكلم في أفعاله التي هي كلام في غيره، والثاني: أنا إنما نستدل على العدل بكونه عالما وغنيا، وذلك من باب التوحيد، فلا بد من تقدم العلم بالتوحيد لينبني العدل عليه) ((المحيط بالتكليف)) للقاضي عبد الجبار (21). .
وأما بقية الأصول عندهم فإنهم يجعلونها مندرجة تحت أصل (العدل) ومما يؤيد ذلك التساؤل الذي أورده القاضي عبد الجبار، وأجاب عنه، فقال: (فإن قيل: ألستم تقولون: الأصول خمسة، وتعدون فيها الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قيل له: كل ذلك يدخل في العدل، لأنا إذا نزهناه عن الخلف والكذب والتعمية، بطل قول المرجئة، فإذا بينا جنس ما تعبد به، ثبت ما نقوله في المنزلة بين المنزلتين، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ((المختصر في أصول الدين)) (1/198). .
وقالوا أيضا: (وإذا دخل تحت العدل النبوات والشرائع، فقد دخل تحته الوعد والوعيد، لأن العلم بهما على الحد الذي نثبت الآن هو من جهة السمع، وكذلك إذا وجب أن يعرفنا الله مصالحنا، فقد تضمن ذلك بيان المنزلة بين المنزلتين، لأن علينا تكليفا فيما نجريه من الأحكام على المكلفين، ومن تسميتهم بأسماء مخصوصة، لما لنا في ذلك من ضروب اللطف والصلاح، وكذلك فقد تضمن وجوب تكليفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما لنا فيه من الصلاح) ((المحيط بالتكليف)) (22). .
وإذا تقرر أن التوحيد والعدل، هما الأصلان الرئيسان عندهم، فقد كان لهذين الأصلين أثر كبير في مسائل أصول الفقه بالنسبة لهم.
ومن المسائل الأصولية التي كان لأصل (التوحيد) أثر كبير فيهما عندهم، مسألة "الفعل ذو الوجهين يصح أن يتعلق به الأمر والنهي".
ولهذا فقد ذهب أبو هاشم إلى أن السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إلى الله ليس بمحرم.
وعلل ذلك قائل: (إن السجود لا تختلف صفته، وإنما المحظور القصد) ((المسودة)) لآل تيمية (84). .
وبما أنه لم يقصد بسجوده غير الله تعالى، فلا يكون هذا السجود محرما، ولا يكون صاحبه مشركا، لكونه موحدا إذا أوقع السجود قاصدا به وجه الله تعالى.
وسيأتي بيان هذه المسألة مفصلا في موضعه من هذا البحث بمشيئة الله تعالى.
ومن مسائل أصول الفقه التي كان لأصل (العدل) أثر كبير فيها بالنسبة لهم، ما يلي:
أولا – مسألة عدم تكليف المكره:
فعند المعتزلة أن المكره لا يدخل تحت التكليف، لأن ذلك محال، إذ لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه، ولا يبقى له خيرة.
وإنما قالوا ذلك بناء على أصلهم في وجوب إثابة المكلف، والمحمول على الشيء لا يثاب عليه.
قال القاضي عبد الجبار : (اعلم أن الغرض بالتكليف التعريض لمنازل الثواب، فكل معنى أخرج المكلف من أن يستحق بفعله المدح، لم يجز أن يتناوله التكليف) ((المغني)) (11/393). .
ثانيا – مسألة وجوب شكر المنعم سبحانه وتعالى:
وقد أوضح القاضي عبد الجبار دخول هذه المسألة في أصل (العدل) فقال: (ومن علوم العدل، أن نعلم أن جميع ما بنا من النعم فمن الله تعالى، سواء كان من جهة الله تعالى، أو جهة غيره، ودخوله في العدل، أنه تعالى كلفنا الشكر على جميع ما بنا من النعم، فلولا أنها من فعله وإلا كان لا يكلفنا أن نشكره عليها أجمع، لأن ذلك يكون قبيحا) ((شرح الأصول الخمسة)) (134). .
ثالثا – لا يجوز عندهم نسخ العبادات والتكاليف:
وقالوا معللين ذلك: (العبادات مصالح، فلا يجوز رفعها) ((المسودة)) (200). .
وقالوا: (من الأفعال ما لها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها، فلا يمكن نسخها) ((المستصفى)) للغزالي (1/122). .
رابعا – لا يجوز للشارع التكليف مع المنع من فعل ما كلف:
وعللوا ذلك بأن التكليف مع المنع من الفعل قبيح، فلا يحسن من الله تعالى أن يكلف العبد به.
قال القاضي عبد الجبار : (اعلم أن من شرط المكلف: أن يكون مخلى بينه وبين ما كلف، ومتى كان هناك منع زالت التخلية وتعذر الفعل لأجله، فالتكليف قبيح . . . وأنه إنما لم يحسن تكليف ما لا يطاق لهذه العلة، وقد علمنا أن الفعل يتعذر مع المنع، كما أنه يتعذر مع العجز، فيجب ألا يحسن منه تعالى التكليف معه) ((المغني)) (11/391)، ((متشابه القرآن)) (715). .
خامسا – لا يجوز إسماع الله المكلف العام المخصوص دون أن يسمعه المخصص:
قال أبو الهذيل والشحام: (لو كان في معلوم الله سبحانه أنه يسمع الآية التي ظاهرها العموم من لا يسمع ما يخصصها، لم يجز أن ينزلها إلا ومعها تخصيصها) ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (277). .
سادسا – لا يجوز أن يقول الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للعالم احكم بما شئت:
فعند المعتزلة لا يجوز أن يقول الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للعالم:  احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالحق ولا تقول إلا الصدق. قالوا معللين ذلك: (إن الشرائع إنما يتعبد الله بها لكونها مصالح، والإنسان قد يختار الصلاح، وقد يختار الفساد فلو أباح الله تعالى للإنسان الحكم بما يختاره لكان فيه إباحة الحكم بما لا يأمن من كونه فسادا) ((المعتمد)) (2/329)، ((المسودة)) (54). .
وسيأتي أيضا بيان هذه المسائل كلها في موضعه من هذا البحث بعون الله تعالى، وتوفيقه.
وأما (الوعد والوعيد)، فإن المعتزلة يقصدون بهذا الأصل أن من امتثل أوامر الله سبحانه وتعالى، فقد استحق الثواب على الطاعة والاتباع ولذلك وجب على الله تعالى أن يدخله الجنة، ومن ارتكب ما نهى الله عز وجل عنه، فقد استحق العقاب على المخالفة والعصيان، ولذلك وجب على الله تعالى أن يدخله النار.
ولهذا قالوا: (الوعد والوعيد، ليس كلام الله الأزلي، وإنما أمر ونهي، ووعد وأوعد، بكلام محدث، فمن نجا فبفعله استحق الثواب، ومن خسر فبفعله استوجب العقاب، والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك) ((الملل والنحل)) (1/42). .
ومن مسائل أصول الفقه التي كان لأصل (الوعد والوعيد) أثر كبير فيها بالنسبة لهم، ما يلي:
أولا – اشتراط الإرادة في الأمر والنهي:
وقد علل المعتزلة اشتراط الإرادة فيهما بأنهما لو لم يكونا مشروطين بها لكان الشارع عابثا، وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار : (قد بينا من قبل أنه لا يجوز منه تعالى وقد خاطبنا بلغة مخصوصة وبكلام يتضمن الأمر والنهي، والوعد والوعيد، إلا ويريد بذلك أمرا ما، وإلا كان عابثا) ((المغني)) (17/39). .
ثانيا – الواجب المخير يقتضي وجوب الجميع على سبيل البدل:
وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار مترجما رأي المعتزلة في هذه المسألة: (والصحيح أن حال الجميع سواء في أنه واجب) ((المغني)) (17/123). .
فعندهم أن المكلف لا يجوز له الإخلال بجميع خصال الواجب المخير، وإلا كان مرتكبا لمحظور يستحق بسببه الوعيد.
ثالثا – المحرم المخير، يجب فيه ترك الجميع:
ولهذا قالوا: (إذا تعلق النهي بأشياء على جهة التخيير فإنه يقتضي المنع من الكل) ((المغني)) (17/135)، ((المعتمد)) (1/169)، ((الوصول إلى الأصول)) (1/199)، ((التمهيد)) لأبي الخطاب (1/368)، ((المسودة)) (81). .
رابعا – المجتهد المخطئ يستحق الإثم والعقاب:
وإلى ذلك ذهب الأصم وبشر المريسي ((وفيات الأعيان)) (1/277)، ((شذرات الذهب)) (2/44)، ((الفرق بين الفرق)) (204)، ((الفتح المبين)) (1/136). المعتزليان، ولهذا قالا: (الحق في أحكام الفروع واحد منها، وأن عليه دليلا يلزم كل أحد المصير إليه، والنظر فيه، والوصول إلى القول الذي هو ألحق به، وأن من قصر في ذلك فلم يصل إليه، ولم يقل به، فإنه مخطئ، ويختلف خطؤه، فربما كان كبيرا، وربما كان صغيرا) ((شرح العمد)) (169)، ((المحصول)) للرازي (3/2/50). .
خامسا – لا يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة:
ذهب المعتزلة البغداديون، إلى أنه لا يجوز للعامل تقليد المجتهد في فروع الشريعة، بل يجب عليه النظر وطلب الدليل، ولهذا قالوا: (لا يجوز له أن يأخذ بقوله إلا بعد أن يبين له حجته) ((المعتمد)) (2/360)، ((التبصرة)) للشيرازي (414)، ((المستصفى)) (2/361)، ((الوصول إلى الأصول)) (2/358)، ((التمهيد في تخريج الفروع على الأصول)) للأسنوي (526). .
وأما أصل (المنزلة بين المنزلتين) فإنه تابع لأصل (الوعد والوعيد) فمن ارتكب ما نهى الله عنه، فإنه يكون عندهم فاسقا يستحق الخلود في النار إذا مات مصرا على فسقه، لكونه أحبط ثواب أعماله الصالحة بعصيانه، ولهذا قالوا: (إن المؤمن إذا خلط الحسنات بالسيئات، فهو مخلد في النار، والكبيرة الواحدة تحبط جميع الطاعات، لأن الثواب منفعة خالصة دائمة مع التعظيم، والعقاب مضرة خالصة دائمة مع الإهانة، فلا يجتمعان استحقاقا، إذ الجمع بينهما محال) ((مقاصد الكلام)) (160)، ((اللباب في أصول الدين)) (66). .
ويؤكد القاضي عبد الجبار ذلك، فيقول: (إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته) ((شرح الأصول الخمسة)) (632). .
وأما الأصل الأخير عندهم، وهو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فإنه تابع للأمر والنهي، ولهذا يقول الكرماستي ((شذرات الذهب)) (7/365). رحمه الله تعالى: (قالت المعتزلة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحق أنه تابع للمأمور به والمنهي عنه، فيكون الأمر بالواجب واجبا، وبالمندوب مندوبا، والنهي عن الحرام واجبا، وعن المكروه مندوبا) ((عقائد الفرق الناجية)) (32). .
ومن هذا العرض الموجز، يتبين لنا بوضوح مدى الارتباط الوثيق والكبير بين أصولهم العقدية وآرائهم اللأصولية.آراء المعتزلة الأصولية لعلي سعد الضويحي – ص 136
>> <<
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الدرر السنية ( للتفاصيل اضغط هنا )