الموسوعة الفقهية

المطلب الثَّاني: ما يُتيمَّم به


الفرع الأوَّل: التيمُّم بالتُّراب
يجوز التيممُ بالتُّرابِ في الجملة.
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
قولُ الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43]
وجه الدَّلالة:
 أنَّ أوْلى ما يُطلَقُ عليه الصَّعيدُ، هو التُّراب قال الفيومي: (الصَّعيدُ في كلامِ العَرب يُطلَقُ على وجوه: على التُّرابِ الذي على وجهِ الأرض، وعلى وجهِ الأرضِ، وعلى الطَّريقِ). ((المصباح المنير)) (1/339). ويُنظر: ((الأم)) للشافعي (1/66).
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
 1- عن حُذيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فُضِّلْنا على النَّاسِ بثلاث: جُعِلَت صفوفُنا كصفوفِ الملائكةِ، وجُعِلَت لنا الأرضُ كلُّها مسجِدًا، وجُعِلَت تُربتُها لنا طَهورًا إذا لم نَجِد الماءَ )) رواه مسلم (522).
وجه الدَّلالة:
أنَّه خصَّ الطَّهورَ بتربةِ الأرض بعد أنْ ذكر أنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ، وهذا يدلُّ على اختصاص الطَّهوريَّة بتربةِ الأرض خاصَّة؛ فإنَّه لو كانت الطَّهوريَّة عامَّةً كعمومِ المساجد، لم يحتَجْ إلى ذلك ((فتح الباري)) لابن رجب (2/18).
2- عن جابر بن عبد الله الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ قبلي: كان كلُّ نبيٍّ يُبعَثُ إلى قومه خاصَّة، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ، وأُحلَّت لي الغنائِمُ، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلي، وجُعِلَت لي الأرضُ طيِّبةً؛ طهورًا ومسجِدًا، فأيُّما رجلٍ أدركتْه الصَّلاةُ، صلَّى حيث كان، ونُصِرتُ بالرُّعب بين يدَي مسيرةِ شهرٍ، وأُعطيتُ الشَّفاعةَ )) رواه البخاري (335)، ومسلم (521) واللفظ له.
وجه الدَّلالة:
أنَّ قولَه عليه الصَّلاة والسلام: ((وجُعِلَت لي الأرضُ طيِّبة، طهورًا)) يدلُّ على اختصاصِ الطَّهوريَّةِ بالأرضِ الطيِّبة، والطيِّبة: هي الأرضُ القابلةُ للإنباتِ، كما في قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58] ((فتح الباري)) لابن رجب (2/209).
ثالثًا: من الإجماع
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِر قال ابن المُنذِر: (أجمع أهلُ العلم على أنَّ التيمُّم بالتُّرابِ ذي الغبار جائزٌ، إلَّا مَن شذَّ منهم). ((الأوسط)) (2/37). وقال أيضًا: (أجمعوا على أنَّ التيمُّم بالتُّرابِ الغُبارِ جائزٌ). ((الإجماع)) لابن المُنذِر (ص: 36). ، وابنُ حزم قال ابنُ حزم: (وأجمعوا أنَّ المسافِرَ سفرًا يكون ثلاثةَ أيَّام فصاعدًا، ولا يجِدُ ماءً، ولا نبيذًا، فإنَّ التيمُّمَ له بالتراب الطَّاهر، جائزٌ في الوضوءِ للصَّلاة الفريضةِ خاصَّةً). ((مراتب الإجماع)) (ص 22). ، وابنُ عبدِ البَرِّ قال ابن عبدِ البَرِّ: (أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ التيمُّمَ بالتراب جائزٌ، واختلفوا فيما عداه من الأرضِ). ((الاستذكار)) (1/309). ، وابنُ رشد قال ابن رشد: (اتَّفقوا على جوازِها بترابِ الحَرْثِ الطيِّبِ). ((بداية المجتهد)) (1/71). ، والقرطبي قال القرطبيُّ: (وإذا تقرَّر هذا، فاعلم أنَّ مكانَ الإجماعِ ممَّا ذكرناه أنْ يتيمَّمَ الرجلُ على ترابٍ مُنبِتٍ، طاهرٍ، غيرِ منقولٍ، ولا مغصوبٍ). ((الجامع لأحكام القرآن)) (5/237). ، والقرافيُّ قال القرافيُّ: (المُتيمَّمُ به ثلاثةُ أقسام: جائز اتِّفاقًا، وهو الترابُ الطَّاهر، وغيرُ جائز اتِّفاقًا، وهو المعادِنُ والترابُ النَّجِس، ومختلَفٌ فيه، وهو ما عدا ذلك). ((الذخيرة)) (1/347). ، وابنُ تيميَّة قال ابن تيميَّة: (والطيِّبُ هو الطَّاهِرُ، والتُّراب الذي ينبعِثُ مرادٌ من النصِّ بالإجماعِ، وفيما سواه نزاعٌ). ((مجموع الفتاوى)) (21/348). ، والشنقيطيُّ قال الشنقيطيُّ: (أجمع جميع المُسلمين على جواز التيمُّم به، وهو التُّرابُ المنبِت الطَّاهِرِ، الذي هو غيرُ مَنقولٍ، ولا مغصوبٍ). ((أضواء البيان)) (1/356).
الفرع الثَّاني: التيمُّم بغير التُّراب
اختلف أهلُ العِلمِ في التيمُّم بغير التُّرابِ على قولين:
القول الأوَّل: لا يجوزُ التيمُّمُ بغيرِ التُّراب، وهذا مَذهَبُ الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/213)، وينظر: ((الأم)) للشافعي (1/66). ، والحنابلة ((شرح منتهى الإرادات)) (1/97)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/182). ، وهو قولٌ للمالكيَّة ((مواهب الجليل)) (1/513). ، وقولُ داودَ الظاهريِّ ((شرح النووي على مسلم)) (4/57)، ((المجموع)) للنووي (2/213)، ((المغني)) لابن قدامة (1/182). قال ابن قدامة: (جملة ذلك: أنَّه لا يجوز التيمُّم إلَّا بترابٍ طاهرٍ ذي غبارٍ يَعلَقُ باليد؛ لأنَّ الله تعالى قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ **المائدة: 6**. قال ابن عبَّاس: الصَّعيدُ تراب الحرْث. وقيل في قوله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا **الكهف: 40** ترابًا أملَسَ. والطيِّب: الطَّاهر، وبهذا قال الشَّافعيُّ، وإسحاق، وأبو يوسف، وداود). ((المغني)) (1/182). ، واختاره ابنُ المُنذِر قال ابن المُنذِر: (لا يجوزُ التيمُّم إلَّا بالتُّرابِ؛ لِما ذكرتُ في غير هذا الباب من دليلِ الكتاب والسُّنَّة) ((الإشراف)) (1/273). ، وابنُ حَجرٍ قال ابن حجر: (الأظهَرُ اشتراطُ التُّراب، ويدلُّ عليه قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ **المائدة: 6**؛ فإنَّ الظَّاهر أنَّها [أي: مِن] للتَّبعيضِ). ((فتح الباري)) (1/447). ، وحُكِيَ عن أكثَرِ الفُقَهاءِ قال النوويُّ: (الصَّحيحُ في المذهب أنَّه لا يجوزُ إلَّا بترابٍ، وبه قال أحمد، وابن المُنذِر، وداود، قال الأزهريُّ والقاضي أبو الطيِّب: هو قولُ أكثَرِ الفُقَهاءِ). ((المجموع)) (2/213). ((شرح النووي على مسلم)) (4/57).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
1- قول الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43]
وجه الدَّلالة من وجهين:
الأوَّل: أنَّ اسمَ الصَّعيدِ لا يقَع إلَّا على ترابٍ ذي غُبارٍ قال الشافعيُّ: (لا يقع اسمُ صعيدٍ إلَّا على ترابٍ ذي غبارٍ). ((الأم)) للشافعي (1/66)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/182).
الثَّاني: أنَّ وصفَ الطيِّبِ لا يقع إلَّا في مكانِ الإنباتِ، وهو التُّرابُ دونَ غيره، كما قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58] ((شرح النووي على مسلم)) (4/57).
2- قول الله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ [المائدة: 6]
وجه الدَّلالة من وجهين:
الأوَّل: أنَّ صيغة (منه) تقتضي التَّبعيضَ، والتَّبعيض إنَّما يُتصوَّر في التُّرابِ لا في الحَجرِ ((الذخيرة)) (1/347).
الثَّاني: أنَّ لفظَ المسح لا يُتصوَّر إلَّا مع التُّراب؛ إذ لا يصدُقُ (مسحتُ يدي بالمِنديلِ) إلَّا وفي اليدِ شَيء يُزالُ ((الذخيرة)) (1/347).
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
عن حُذيفة رَضِيَ اللهُ عنه قال، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فُضِّلْنا على النَّاس بثلاث: جُعِلت صُفوفُنا كصُفوفِ الملائكة، وجُعِلَت لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلت تُربتُها لنا طَهورًا إذا لم نجِد الماءَ )) رواه مسلم (522).
وجه الدَّلالة:
أنَّه اعتبر التُّرابَ بعَينِه في التيمُّمِ ((الذخيرة)) (1/348).
القول الثاني: يجوزُ التيمُّم بجميعِ ما صعِد على الأرضِ مِن أجزائِها؛ من ترابٍ، ورملٍ، وجِصٍّ، وهذا مَذهَبُ الحنفيَّة ((تبيين الحقائق وحاشية الشلبي)) (1/38)، ((العناية شرح الهداية)) (1/127). ، والمالكيَّة ((مواهب الجليل)) (1/513، 518)، وينظر: ((بداية المجتهد)) (1/71). ، واختاره الطبريُّ قال الطبريُّ: (أَولى ذلك بالصواب قولُ مَن قال: هو وجهُ الأرض الخاليةِ مِن النباتِ والغُروسِ والبناءِ، المستويةِ). ((تفسير الطبري)) (8/408). ، وابنُ حزم ) ((المحلى)) (1/377). ، وابن باز قال ابن باز: (والصَّعيد: وجهُ الأرض، قوله: (منه) يدلُّ على أنَّه يكونَ له غبارٌ يتَّصل باليد والوجه، فإذا لم يتيسَّر ذلك تيمَّم مِن الأرض التي عنده، سواء كانت الأرضُ صفاءً، أو رملًا، أو طينيَّة، أو سبخةً: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ لعموم قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((جُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا))، فالأرضُ تعمُّ الأرضَ السبخةَ، والرَّمل، وذات الحصى، كلَّه، إذا ما تيسَّر التُّراب). ((فتاوى نور على الدرب)) (5/325). ، والألبانيُّ قال الألبانيُّ: (يتيمَّمُ بما على وجه الأرض، ترابًا كان أو غيره، كما تيمَّم عليه السَّلامُ بالحائِط). ((الثمر المستطاب)) (1/31). ، وابنُ عُثيمين قال ابن عثيمين: (الصَّحيح: أنَّه لا يختصُّ التيمُّم بالتُّرابِ، بل بكلِّ ما تصاعَد على وجهِ الأرضِ). ((الشرح الممتع)) (1/392).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
قول الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43]
وجه الدَّلالة:
أنَّ الصَّعيد من الصُّعودِ، وهو العلوُّ؛ فكلُّ ما تصاعَدَ على وجهِ الأرض، فهو صعيدٌ يجوز التيمُّمُ به، واللهُ سبحانه يعلم أنَّ النَّاس يطرُقونَ في أسفارِهم أراضيَ رمليَّةً، وحَجريَّة، وترابيَّة، فلم يخصِّص شيئًا دون شيءٍ ((الذخيرة)) للقرافي (1/347)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (1/392).
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
1- عن جابرِ بنِ عبد الله الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطَهورًا )) رواه البخاري (335) واللفظ له، ومسلم (521).
وجه الدَّلالة:
 أنَّ الحديثَ يدلُّ على أنَّ كلَّ موضعٍ جازت الصَّلاةُ فيه، جاز التيمُّمُ به، ومعلوم أنَّه لا يُشتَرَطُ لجواز الصَّلاة أن يكون على ترابٍ ((الاستذكار)) لابن عبدالبر (1/309).
2- عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وجُعِلَت لي الأرضُ طيِّبةً، طَهورًا ومسجدًا، فأيُّما رجلٍ أدركَتْه الصَّلاةُ، صلَّى حيث كان )) رواه البخاري (438)، ومسلم (521) واللفظ له.
وجه الدَّلالة:
أنَّ الأرضَ مشتملةٌ على التُّرابِ وغَيرِه، والقاعدةُ الأصوليَّة: أنَّ تخصيصَ بعضِ أنواع العامِّ بالذِّكرِ لا يَقتضي تخصيصَه، وإن كان يدلُّ على شَرَفِه ((الذخيرة)) (1/348). وقال الشنقيطي: (فهذا نصٌّ صحيح صريح في أنَّ من أدركتْه الصَّلاة في محلٍّ ليس فيه إلَّا الجبالُ أو الرِّمال: أنَّ ذلك الصَّعيدَ الطيِّب- الذي هو الحجارةُ، أو الرَّمل- طَهورٌ له، ومسجدٌ). ((أضواء البيان)) (1/354).
3- عن أبي الجُهَيم الحارث بن الصِّمَّة الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((أقبل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من نحوِ بِئرِ جَمَلٍ، فلقِيه رجلٌ فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى أقبَلَ على الجِدارِ، فمسَح بوجْهِه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السَّلامَ )) رواه البخاري (337) واللفظ له، ومسلم (369).
وجه الدَّلالة:
 أنَّه تيمَّمَ بغيرِ التُّراب، وهو الجِدارُ ((المجموع)) للنووي (2/213).
4- عن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى، أنَّ رجلًا أتى عُمرَ، فقال: ((إنِّي أجنبتُ فلم أجِد ماءً، فقال: لا تُصَلِّ، فقال عمَّار: أمَا تذكُر يا أميرَ المؤمنين، إذ أنا وأنت في سريَّة، فأجنَبْنا فلم نَجِد ماءً، فأمَّا أنت فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتمَعَّكْتُ في التُّرابِ وصليتُ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّما كان يكفيكَ أن تضربَ بيديك الأرضَ، ثمَّ تنفُخَ، ثمَّ تمسَحَ بهما وجهَك وكفَّيك؟... )) رواه البخاري (338)، ومسلم (368) واللفظ له.
وجه الدَّلالة:
 أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَرَه أنَّه كان يكفيه أن يضرِبَ بيديه في الأرض، ولم يخصَّه بالتُّرابِ.
ثالثًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تَبوك مرَّ برِمال كثيرة، ولم يُنقَل أنَّه كان يحمِلُ التُّراب، أو يصلِّي بلا تيمُّمٍ ((الشرح الممتع)) (1/392).

انظر أيضا: