بحث متقدم



المطلب العاشر: حُكم الزِّيادة على الثَّلاث في الوضوء

الزِّيادة على الثَّلاث قال النوويُّ: (المراد بالثَّلاث: المستوعبة للعضو). ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (3/109). وممَّا ينبغي للمتوضِّئ مراعاته، الاقتصاد في ماء الوضوء. وقد نقَل بعض أهل العلم الإجماعَ على النَّهي عن الإسراف في الماء. قال النوويُّ: (أجمع العلماء على النَّهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر). ((شرح النووي على مسلم)) (4/2). في الوضوء، مكروهة قال ابن باز: (وهو يدلُّ على أنَّه لا تجوز الزيادة، قال: ((فقد أساء وتعدَّى وظَلم))، والإساءة والتعدِّي والظُّلم أمر غير جائز، فالحاصل أنَّ الحديث يدلُّ على أنَّه لا تجوز الزِّيادة على الكمال الذي فعله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهو الثَّلاث، يعني: إسباغ الوضوء ثلاثًا) ((فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر)) (5/46). وقال ابن عثيمين: (والزِّيادة على الثَّلاث في الوضوء إمَّا محرمَّة، وإمَّا مكروهة كراهةً شديدة؛ لقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((مَن زاد على ذلك، فقد أساء وتعدَّى وظلَم))، فأدْنى أحوالها أنَّها مكروهة) ((الشرح الممتع)) (6/392). ، وهذا باتِّفاق المذاهب الفقهيَّة: الحنفيَّة ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/36). جاء في ((حاشية ابن عابدين)) (1/133): إذا اعتقد سُنيَّته يكون قد تعدَّى وظلم؛ لاعتقاده ما ليس بقُربة قربةً؛ فلذا حمل علماؤنا النهي على ذلك، فحينئذٍ يكون منهيًّا عنه. ، والمالكيَّة ((الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي)) (1/102). ، والشَّافعيَّة ((أسنى المطالب)) للأنصاري (1/39)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/59). ، والحنابلة ((العدة شرح العمدة)) لبهاء الدين المقدسي (ص: 35)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (1/97). ، وحُكي الإجماع على ذلك قال النوويُّ: (أجمع العلماء على كراهة الزِّيادة على الثَّلاث). ((شرح النووي على مسلم)) (3/109). وقال أيضًا: (إذا زاد على الثَّلاث، فقد ارتكب المكروه، ولا يبطُل وضوءه، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافَّة). ((المجموع)) (1/440). وقال الشَّوكانيُّ: (لا خِلاف في كراهة الزِّيادة على الثَّلاث). ((نيل الأوطار)) (1/173). .
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة:
عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: ((جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فسأله عن الوُضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمَن زاد على هذا فقدْ أساء وتعدَّى وظَلَم)) رواه أبو داود (135)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/36) (170)، والبيهقي (1/79) (378). قال ابن العربيِّ في ((عارضة الأحوذي)) (1/72): لم يثبت. وصحَّح إسناده النووي في ((المجموع)) (1/418)، وابن دقيق في ((الإلمام)) (1/66) وقال: فمَن يَحتجُّ بنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، فهو عنده صحيح، وقال محمَّد ابن عبدالهادي في ((المحرر)) (46): إسناده ثابت إلى عمرو؛ فمَن احتجَّ بنسخته عن أبيه عن جدِّه، فهو عنده صحيح. وصحَّحه ابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (2/143)، والشوكانيُّ في ((الدراري المضية)) (47)، وصحَّح طرقه ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (1/121)، وقال الألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (135): حسن صحيح. .
عن عبد الله بن مُغفَّل رضي الله عنه، قال: سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول: ((يكون في هذه الأمَّة قومٌ يَعتَدون في الطُّهور والدُّعاء)) رواه أبو داود (96)، وابن ماجه (3130)، وأحمد (4/86) (16842). صحَّح إسنادَه النوويُّ في ((المجموع)) (2/190)، وحسَّن إسنادَه ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (3/425) وقال: لا بأس به. وصحَّحه ابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (2/599)، وابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (1/223)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (96). .
ثانيًا: أنَّ النبي عليه الصَّلاة والسَّلام: ((توضَّأ مرَّةً مرَّة)) كما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما رواه البخاري (157) دون ذِكر ((ونضَح فَرْجَه))، والدارميُّ (1/194) (711) واللفظ له. ، و((توضَّأ مرَّتين مرَّتين))، كما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه رواه البخاري (185) واللفظ له، ومسلم (235). ، و((توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا))، كما في حديث عُثمان بن عفَّان رضي الله عنه رواه البخاري (159)، ومسلم (226). .
وجه الدَّلالة:
 أنَّه لم يرِد أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، زاد في وضوئه على الثَّلاث؛ فيكون في الزِّيادة عليه مجاوزةٌ لفعل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال البخاريُّ: (بيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّ فرْض الوضوء مرَّةً مرة، وتوضَّأ أيضًا مرَّتين وثلاثًا، ولم يزِد على ثلاث، وكرِه أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فِعل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ). ((صحيح البخاري)) (قبل الحديث رقم: 135). .
>> <<
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الدرر السنية ( للتفاصيل اضغط هنا )