الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّالِث: مِيقاتُ المَكِّيِّ (الحَرَمِيِّ)


المَطْلَب الأوَّلُ: تَعريفُ المكِّيِّ
المكيُّ هو: من كان داخِلَ الحَرَمِ عند إرادَةِ الإحرامِ، سواءٌ كان مِن أَهْلِها أو عابِرَ سبيلٍ ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/344)، ((المجموع)) للنووي (7/205).
المَطْلَب الثَّاني: ميقاتُ المكِّيِّ للحَجِّ
مَن كان مِنْزِلُه في مَكَّةَ أو الحَرَمِ، فإنَّه يُحْرِمُ مِن مَنْزِلِه؛ سواءٌ كان مُسْتَوطِنًا أو نازلًا.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عَنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم، في حديثِ المواقيتِ: ((ومَن كان دونَ ذلك فمِنْ حيثُ أنشَأَ، حتى أهْلُ مَكَّةَ مِن مَكَّةَ)) رواه البخاري (1524)، ومسلم (1181).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ نصَّ الحديثِ يقتضي أنَّ أهْلَ مَكَّةَ يُحرمونَ منها ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (ص: 299).
2- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((أمَرَنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم لَمَّا أَحْلَلْنا، أنْ نُحْرِمَ إذا توجَّهْنا إلى مِنًى، قال: فأَهْلَلْنا مِنَ الأَبْطَحِ )) رواه مسلم (1214).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللهُ عنهم الذين حَلُّوا مِن إحرامِهم مع الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسَلَّم أحرموا مِنَ الأَبطحِ، وهو موضِعٌ بمَكَّة كلُّ مَسيلٍ فيه دِقاقُ الحَصَا: فهو أبطَحُ، وهو قريبٌ مِن مِنًى، وهو متَّصِلٌ بالمحَصَّب، وهو خَيْفُ بني كِنانَةَ، ((شرح النووي على مسلم)) (8/162)، ((فتح الباري)) لابن حجر (1/74)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (81/79)، ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/48، 49).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (أجمعوا على ما ثبت به الخبر، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المواقيت) ((الإجماع)) (ص: 51)، ويُنْظَر: ((المجموع)) للنووي (7/196). ، وابنُ حَزْمٍ قال ابنُ حزم: (أَجْمعُوا أَن ذَا الحُلَيفة لأهل المدينةِ، والجُحْفةَ لأهل المغربِ، وَقَرْنًا لأهلِ نجدٍ، ويلملم لأهل اليمن، وَالمَسجد الحرام لأهل مَكَّةَ؛ مَوَاقِيت الإحرام للحَجِّ وَالعمرَة، حاشا العمرَةِ لأهْلِ مَكَّةَ) ((مراتب الإجماع)) (ص: 42). ، والقُرطبيُّ قال القرطبي في حديث ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: (أجمع أَهْلُ العِلْم على القَوْلِ بظاهر هذا الحديث واستعمالِه، لا يخالفون شيئًا منه) ((تفسير القرطبي)) (2/367). ، والنَّوَوِيُّ قال النووي: (أجمَعَ العلماءُ على هذا كُلِّه, فمن كان في مَكَّةَ مِن أَهْلِها أو واردًا إليها وأرادَ الإحرامِ بالحَجِّ فميقاتُه نَفْسُ مَكَّة، ولا يجوز له تَرْكُ مَكَّةَ والإحرامُ بالحَجِّ مِن خارِجِها) ((شرح النووي على مسلم)) (8/84).
المَطْلَب الثَّالِث: ميقاتُ المكِّيِّ للعُمْرَةِ
ميقاتُ المكِّيِّ للعُمْرَة هو الحِلُّ [499] الحِل: ما عدَا الحرَم. ((المصباح المنير)) للفيومي (1/148). ، من أيِّ مَوْضِعٍ منه شاءَ، وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الأَربعَةِ: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/ 343)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/581). ، والمالِكِيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 38). ، والشَّافِعِيَّة ((المجموع)) للنووي (7/205). ، والحَنابِلَة ((الفروع)) لابن مفلح (5/304). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك قال الطحاويُّ: (وأمَّا كيفية العُمرة، فإنَّه لا يصحُّ أن يحرم بها مَن أرادها من الحرم، وإنما يصلُح له أن يُحرِم بها من الحل... ولا نعلم اختلافًا بين أهل العلم في أنَّ العمرة هذا حُكمها، وأنه لا ينبغي لأحدٍ أن يُحرِمَ بها من الحرم). ((أحكام القرآن)) (2/219-220). قال ابن عبد البَرِّ: (وأمَّا قولُ مالكٍ: لا يهلُّ الرجلُ من أهل مكَّةَ حتى يخرج إلى الحِلِّ، فيُحرم منه، فقد ذكرتُ لك أن ذلك إجماعٌ من العلماء لا يختلفون فيه، والحمد لله). ((الاستذكار)) (4/79). قال ابنُ بطَّال: (قال مالك: وما رأيتُ أحدًا أحرم بعُمرة من الحرم، ولا يُحرِم أحدٌ بعمرة من مكَّة، ولا تصحُّ العمرة عند جميع العلماء إلَّا في الحِلِّ، المكي أو غيره؛ قال ابنُ المُنذر: وهذا أشبهُ؛ حكَى الثوري عن عطاء أنَّه مَن أهلَّ بعُمرة أنَّه لا شيء عليه). ((شرح صحيح البخاري)) (4/196). قال شمسُ الدِّين ابن قُدامة: («وأهلُ مكة إذا أرادوا العُمرة، فمِن الحِل، وإن أرادوا الحجَّ، فمِن مكَّة» أهل مكة مَن كان بها، سواء كان مقيمًا بها، أو غير مقيم؛ لأنَّ كل من أتى على ميقات، كان ميقاتًا له؛ لِمَا ذكرنا، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاتُه للحج، وإن أراد العُمرةَ فمِن الحِلِّ، لا نعلم في هذا خلافًا). ((الشرح الكبير على متن المقنع)) (3/210). وقال المحبُّ الطبريُّ: (لا أعلم أحدًا جعَل مكة ميقاتًا للعُمرة). ((فتح الباري)) لابن حجر (3/387). وقال الزيلعيُّ: (الوقتُ لأهل مكة الحرمُ في الحجِّ، والحلُّ في العُمرة؛ للإجماع على ذلك). ((تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق)) (2/8).
الدليل مِنَ السُّنَّةِ:
عن جابرٍ رَضِيَ الله عنهما: ((أنَّ عائشةَ حاضت فنَسَكَت المناسِكَ كُلَّها، غيرَ أنَّها لم تَطُفْ بالبيتِ. قال: فلمَّا طَهُرَت وطافت، قالت: يا رَسولَ الله، أتنطَلِقونَ بعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ، وأنطَلِقُ بالحَجِّ؟ فأمر عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بكرٍ أن يَخْرُجَ معها إلى التَّنعيمِ، فاعتَمَرَت بعد الحَجِّ في ذي الحِجَّةِ )) رواه البخاري (1785).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
 أن عائَشَةَ كانت مُقيمةً بمَكَّةَ، فأمَرَها رسولُ اللهِ أن تُحْرِمَ من التَّنعيمِ، وهو أدنى الحِلِّ ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (2/ 240)، ((المجموع)) للنووي (7/ 205)، ((مجموع فتاوى ابن باز)) (8/ 311) ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/50).

انظر أيضا: