بحث متقدم



المبحث الثالث: أنواع الشفاعة: (الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية)

أقسام الشفاعة الثابتة
1- الشفاعة العظمى.
2- الشفاعة في دخول المؤمنين الجنة.
3- الشفاعة لرفع درجات أهل الجنة.
4- الشفاعة لقوم استحقوا النار أن لا يدخلوها.
5- الشفاعة في أهل الكبائر.
6- شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه.
7- الشفاعة لأقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
8- شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة المنورة.
ومن هذه الشفاعات ما هو خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يكون له وللأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام، ومنها ما يكون لخواص الخلق. الحياة الآخرة لغالب عواجي- 1/299
أقوال الناس في الشفاعة والقول الحق في ذلك، والحديث المفصل عن الشفاعة
وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن. والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته. بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه. وأنكروا الشفاعة بقوله تعالى: من قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة:254] وبقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18] ونحو ذلك. وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة. وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء. كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:255] وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:26]. وقد ثبت في (الصحيح)، أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم إذا طلبت الشفاعة منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قال: ((فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة)) رواه البخاري (7510). من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. . وقال تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:56-57]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله ويردون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في(الصحيح) أن أبا هريرة قال: ((يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك، لما رأيته من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله)) رواه البخاري (99). . فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله، كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج إلى أن يقبل شفاعته. والله تعالى: غني عن العالمين وهو وحده سبحانه يدير العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة. وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه فالأمر كله له. فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته. وأفضل الخلق: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم عليهما السلام. وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم، أن يستغفر لعمه أبي طالب، بعد أن قال: ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) رواه البخاري (1360)، ومسلم (24). . وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ [التوبة:84] وقيل له أولا: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ [التوبة:80] فقال: ((لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت)) رواه البخاري (1366). فأنزل الله: سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:6]. وإبراهيم: قال الله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود:74-76]. ولما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه، بعد وعده بقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41] قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة:4] وقال تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:113-114]. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية2/830

قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في شرح منظومته:


يَشْفَعُ أَوَّلاً إِلَى الرَّحْمَنِ فِي





فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ



مِنْ بَعْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا النَّاسُ إلَى




كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الْهُدَاةِ الْفُضَلاَ

هذه الشفاعة الأولى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي ذكر الله عز وجل له ووعده إياه وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله إياه له صلى الله عليه وسلم بعد كل أذان. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء: 79] حدثنا إسماعيل بن أبَّان حدَّثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول ((إنَّ الناس يصيرون يوم القيامة جثاً كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعةُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذلك يومٌ يبعثه الله المقام المحمود)) رواه البخاري (4718). .
وقال مسلم رحمه الله تعالى حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واتفقا في سياق الحديث إلا ما يزيد أحدهما من الحرف بعد الحرف، قالا حدَّثنا محمد بنُ بِشرٍ حدَّثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: أنا سيِّد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بِمَ ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيُسْمعهم الداعي، وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه، ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً عليه السلام فيقولون: يا نوح أنت أول الرُّسُل إلى الأرض وسمّاك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه قد كانت دعوةٌ دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم. فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبيُّ الله وخليلُه من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى عليه السلام فيقولون: يا موسى أنت رسولُ الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى عليه السلام: إِنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإِنِّي قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى عليه السلام. فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسولُ اللهِ وكلَّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى عليه السلام: إِنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فيقولون: يا محمد أَنت رسولُ اللهِ وخاتم الأنبياء وغفر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فأَنْطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربِّي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي. ثم قال: يا محمد ارفعْ رأسك سلْ تُعْطه اشفع تشفَّعْ فأَرفع رأسي فأقول: يا ربِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أُمَّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبُصرى)) رواه البخاري (194). .
قال وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: ((وُضِعَتْ بين يدي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذِّراع وكانت أحبَّ الشاة إليه، فنهس نهسةً فقال: أنا سيِّد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى فقال: أنا سيِّدُ الناس يوم القيامة. فلمَّا رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون كيف؟ قالوا: كيف يا رسولَ اللهِ؟ قال: يقوم الناس لربِّ العالمين)) وساق الحديث بمعنى حديث أبي حيان عن أبي زرعة، وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: هذا ربِّي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إِنِّي سقيم. قال: والذي نفس محمَّدٍ بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة، قال لا أدري أيُّ ذلك قال رواه مسلم (194). .
وروى الإمام أحمد عن كعب بن مالك أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ((يُبْعَثُ الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمّتي على تل، ويكسوني ربِّي عَزَّ وجَلَّ حُلَّةً خضراء، ثُمَّ يُؤْذَنُ لي فأقول ما شاءَ اللهُ تعالى أَنْ أقول، فذلك المقام المحمود)) رواه أحمد (3/456) (15821) والطبراني (19/72) وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح, وصححه ابن جرير في ((التفسير)) (9/1/181) وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (6/284): إسناده صالح, وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/54): رجاله رجال الصحيح, وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (11/434): أصله في مسلم. .
وسيأتي إن شاء الله تعالى في حديث أنس رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم ((يجمع اللهُ الناس يوم القيامة فيهتمُّون لذلك – وفي لفظة فيلهمون لذلك – فيقولون لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيأتون آدم)) رواه مسلم (193) (322) من حديث أنس رضي الله عنه. الحديث، وتقدم في حديث الصور قوله صلى الله عليه وسلم ((فتقفون موقفاً واحداً مقدارُهُ سبعون عاماً لا يُنْظَرُ إليكم ولا يُقْضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماً. وتعرقون حتى يلجمكم العرق ويبلغ الأذقان، وتقولون مَنْ يشفع لنا إلى ربِّنا فيقضي بيننا؟ فتقولون من أَحقُّ بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله تعالى بيده، ونفخ فيه من روحه وكلَّمه قبلاً. فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، فيأتي ويقول: ما أَنا بصاحب ذلك. فيستقرئون الأنبياءَ نبيّاً نبيّاً كلما جاؤوا نبيّاً أبى عليهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخرُّ ساجداً. قال أبو هريرة: يا رسولَ الله وما الفحص؟ قال قدام العرش، حتى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمد. فأقول: نعم يا ربِّ فيقول اللهُ عزَّ وجَلَّ: ما شأنُكَ؟ وهو أعلم. فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فاقض بينهم. قال الله تعالى: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم)) رواه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) (1/266) وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (11/212) والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (1/283), وابو الشيخ في ((العظمة)) (1/394) واسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (1/10): من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, قال البخاري في ((تهذيب التهذيب)) (9/524): لم يصح, وقال ابن حبان في ((تهذيب التهذيب)) (9/524): لست أعتمد على إسناده, وقال الدارقطني في ((تهذيب التهذيب)) (9/524): إسناده لا يثبت, وقال ابن كثير في ((التفسير)) (3/276): غريب جدا, وقال العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (8/148): وقد رويت قصة الصور بأحاديث من غير هذا الوجه بأسانيد جياد وألفاظ مختلفة وليس بطول هذا الحديث, وقال أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/788): ظاهر النكارة. الحديث.
وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: حدَّثني نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ((إِنِّي لقائمٌ أنتظر أُمَّتي تعبر على الصراط، إذ جاءني عيسى عليه السلام فقال: هذه الأنبياء قد جاءَتْكَ يا محمد يسألون أو قال يجتمعون إليك – ويدعون الله أَنْ يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله لغمٍّ جاءهم فيه، فالخلق ملجمون بالعرق، فأَمَّا المؤمن فهو عليه كالزكمة وأما الكافر فيغشاهُ الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملكٌ مصطفى، ولا نبيٌّ مرسل، فأَوْحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى جبريل أن اذهب إلى محمد وقل له: ارفع رأْسك سل تُعْطَ واشْفَعْ تُشفع)) رواه أحمد (3/178) (12847) قال السيوطي في ((البدور السافرة)) (118): إسناده صحيح, وقال مقبل الوادعي في ((الشفاعة)) (114): حسن لأن حرب بن ميمون صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح. الحديث.
وعند مسلم وغيره من حديث نزول القرآن على سبعة أحرف ((فلَك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهمَّ اغفر لأمتي، اللهمَّ اغفر لأمَّتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلُّهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم)) رواه مسلم (820). .


وَثَانِيًا يَشْفَعُ فِي اسْتِفْتَاحِ





دَارِ النَّعِيمِ لأُولِي الْفَلاحِ


هَذَا وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ





قَدْ خُصَّتَا بِهِ بِلاَ نُكْرَانِ

هذه الشفاعة الثانية في استفتاح باب الجنة، وقد جاء في الأحاديث أنها أيضاً من المقام المحمود، وقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثنا قتيبة بنُ سعيدٍ وإسحاقُ بنُ إبراهيم. قال قتيبةُ حدَّثنا جرير عن المختار بن فلفل عن أَنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((أَنا أَوَّل الناس يشفع في الجنة، وأَنا أكثر الأنبياء تبعاً)) رواه مسلم (196) (330). .
وحدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدَّثنا معاويةُ بنُ هشام عن سفيان عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أَنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأَنا أَوَّل من يقرع باب الجنة)) رواه مسلم (196) (331). .
وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن المختار بن فلفل قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ((أَنا أَوَّل شفيع في الجنة، لم يصَدَّق نبي من الأنبياء ما صُدِّقت، وإِنَّ من الأنبياء نبيّاً ما يصدقه من أمته إلاّ رجلٌ واحد)) رواه مسلم (196) (32). .
وحدَّثني عمرو الناقد وزهير بن حرب قالا حدَّثنا هاشم بن القاسم حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((آتي باب الجنة يومَ القيامةِ فأستفتح، فيقول الخازن، مَنْ أَنْتَ؟ فأقول محمد، فيقول بك أمرت لا أفتح لأَحَدٍ قبلك)) رواه مسلم (197). .
قال حدَّثنا محمد بن طريف بن خليفة البجلي حدَّثنا محمد بن فضيل حدَّثنا أبو مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يَجْمَعُ اللهُ تباركَ وتعالى النَّاسَ، فيقوم المؤمنون حتى تزلفُ لهم الجنَّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله عز وجل. قال فيقول إبراهيم: لستُ بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تعالى تكليماً. فيأتون موسى عليه السلام فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله تعالى وروحه، فيقول عيسى عليه السلام: لست بصاحب ذلك. فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط فيمُرُّ أولكم كالبرق)) رواه مسلم (195). وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا يحيى بنُ بكير حدَّثنا الليثُ عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: سمعتُ حمزة بن عبد الله بن عمر قال سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يومَ القيامةِ ليس في وجهه مُزْعةُ لحم)) رواه البخاري (1474). وقال: ((إنَّ الشمس تدنو يومَ القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأُذن. فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم)). وزاد عبد الله حدثني الليث قال حدثني ابن أبي جعفر ((فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلُّهم)) رواه البخاري (1475). .
ففي هذا الحديث الجمع بين ذكر الشفاعتين: الأولى في فصل القضاء، والثانية في استفتاح باب الجنة، وسمى ذلك كله المقام المحمود (هذا) أي ما ذكر (وهاتان الشفاعتان) المذكورتان اللتان هما المقام المحمود (قد خصتا) أي جعلهما الله تعالى خاصتين (به) أي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وليستا لأحد غيره (بلا نكران) بين أهل السنة والجماعة، بل ولم ينكرهما المعتزلة الذين أنكروا الشفاعة الثالثة في إخراج عصاة الموحدين من النار، وهي المشار إليها بقولنا:


وَثَالِثاً يَشْفَعُ فِي أَقْوَامِ





مَاتُوا عَلَى دِينِ الْهُدَى الإِسْلاَمِ


وَأَوْبَقَتْهُمْ كَثْرَةُ الآثَامِ




فَأُدْخِلُوا النَّارَ بِذَا الإِجْرَامِ


أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى الْجِنَانِ




بِفَضْلِ رَبِّ الْعَرْشِ ذِي الإِحْسَانِ


 فهذه الشفاعة حقٌ يؤمن بها أهل السنة والجماعة كما آمن بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ودرج على الإيمان بذلك التابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأنكرها في آخر عصر الصحابة الخوارج، وأنكرها في عصر التابعين المعتزلة وقالوا بخلود من دخل النار من عصاة الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويشهدون أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت الحرام ويسألون الله الجنة ويستعيذون به من النار في كلّ صلاة ودعاء، غير أنهم ماتوا مصرّين على معصية عملية عالمين بتحريمها معتقدين مؤمنين بما جاء فيه الوعيد الشديد فقضوا بتخليدهم في جهنم مع فرعون وهامان وقارون، فجحدوا قول الله عز وجل أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 28] وقوله عز وجل أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: 21] وقوله تعالى أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35 – 36] وغيرها من الآيات وسائر الأحاديث الواردة.
وقال البخاري رحمه الله تعالى: وقال حجَّاجُ بنُ منهال حدَّثنا همامُ بنُ يحيى حدَّثنا قتادةُ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُحبس المؤمنون يومَ القيامةِ حتى يهموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيءٍ لتشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيقول: لست هناكم. قال ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحاً أوَّل نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربَّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. قال فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كلمات كذبهنَّ، ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلَّمه وقرَّبه نجياً. قال فيأتون موسى فيقول: إنِّي لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله تعالى وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله تعالى أن يدعني فيقول: ارفع محمد وقل يسمع واشفع تُشفّع وسل تُعط. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يُعلمنيه، ثم أشفع فيحدُّ لي حدّاً فأخرج فأدخلهم الجنة)). قال قتادة: وقد سمعته يقول ((فأخرج فأخرِجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسلْ تُعْطَ. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدّاً فأخرج فأدخلهم الجنة)) قال قتادة: وسمعته يقول ((فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسلْ تُعْطَ. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدّاً فأخرج فأدخلهم الجنة)). قال قتادة: وقد سمعته يقول ((فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن)) أي وجب عليه الخلود. قال؛ ثم تلا هذه الآية عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء: 79] قال: وهذا المقام المحمود الذي وُعِدَهُ نبيكم صلى الله عليه وسلم)) رواه البخاري (7440). .
وقال أيضاً: حدَّثنا مسدد حدَّثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((يجمع الله الناس يومَ القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يريحنا من مكاننا – وذكره مختصراً وقال في الثالثة أو الرابعة – حتى ما بقي في النار إلاّ من حبسه القرآن)) وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود رواه البخاري (6565). .
ورواه مسلم من طرق بنحوه، وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو الربيع العتكيُّ حدَّثنا حماد بن زيد حدَّثنا معبدُ بنُ هلالٍ العنزيُّ. ح. وحدَّثنا سعيد بن منصور – واللفظ له، حدَّثنا حماد بن زيد حدَّثنا معبدُ بن هلال العنزي قال: انطلقنا إلى أنسٍ بن مالك، وتشفعنا بثابتٍ، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابتٌ فدخلنا عليه وأجلس ثابت معه على سريره فقال: يا أبا حمزة إنَّ إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة. قال: حدَّثنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لذُرِّيتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنَّه خليلُ الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى عليه السلام فإنَّه كليم الله، فيؤتى موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنَّه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأوتى فأقول: أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربِّي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن، يُلهمنيه الله، ثم أَخرُّ له ساجداً فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: ربِّ أُمَّتِي أُمَّتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبةٍ من بُرَّةٍ أو شعيرة من إيمان فأخْرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجداً له، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول، أُمَّتي أُمَّتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقالُ حبّةٍ من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي عز وجل فأحمده تلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجداً، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب أُمَّتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبةٍ من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل)) هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده، فلما كنّا بظهر الجبَّان: قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلَّمنا عليه وهو مستخفٍ في دار أبي خليفة. قال فدخلنا عليه فسلَّمنا عليه فقلنا: يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع مثل حديث حدَّثناه في الشفاعة. قال: هيه. فحدَّثناه الحديث. فقال هيه. قلنا ما زادنا. قال: قد حدَّثنا به منذ عشرين سنةٍ وهو يومئذٍ جميعٌ، ولقد ترك شيئاً ما أدري أَنَسِيَ الشيخ أو كره أن يحدِّثكم فتتكلوا، قلنا له: حدَّثنا. فضحك وقال: خُلِقَ الإنسان من عَجَل، ما ذكرت لكُم هذا إلا وأنا أريدُ أن أحدثكموه ((ثم أرجع إلى ربِّي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك – أو قال ليس ذاك إليك – ولكن وعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأُخرجَنَّ من قال لا إله إلا الله)) قال: فأشهد على الحسن أنَّه حدَّثنا به أنَّه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه أراه قال: قبل عشرين سنة وهو يومئذٍ جميع رواه مسلم (193) (326). .
وقال أيضاً: حدثنا محمد بنُ منهال الضَّرير حدَّثنا يزيد بن زُريع حدَّثنا سعيدُ بن أبي عروبة وهشامٌ صاحب الدَّسْتَوَائي عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ح. وحدَّثني أبو غسّان المِسْمَعيُّ ومحمد بن المثنى قالا حدثنا معاذ وهو ابن هشام قال حدَّثني أبي عن قتادة حدَّثنا أنس بنُ مالكٍ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرةً، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة)) زاد ابن منهال في روايته. قال يزيدُ: فلقيتُ شعبة فحدَّثته بالحديث فقال شعبة حدَّثنا به قتادةُ عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث، إلا أنَّ شعبة جعل مكان الذرة ذُرَة، قال يزيد: صحَّف فيها أبو بسطام رواه مسلم (193) (325), والبخاري (7410) مطولاً. .
وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا حجاج بن الشاعر حدَّثنا الفضل بنُ دكين حدَّثنا أبو عاصم يعني محمد بن أبي أيوب قال حدَّثني يزيد الفقير قال كنت قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج فخرجنا في عصابةٍ ذوي عددٍ نريد أن نَحُجّ، ثم نخرج على الناس، قال فمررنا على المدينة، فإذا جابرُ بن عبد الله رضي الله عنهما يحدِّث القوم، جالسٌ إلى سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإذا هو قد ذكر الجهنَّميين قال فقلت له: يا صاحب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي تحدِّثون والله تعالى يقول رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: 192] و كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج: 22] فما هذا الذي تقولون؟ قال فقال: أتقرأُ القرآن؟ قلت نعم. قال فهل سمعت بمقامِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال فإنَّه مقام محمدٍ صلى الله عليه وسلم المحمودُ الذي يخرج الله به من يخرج. قال ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه، قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال غير أَنَّه قد زعم أنَّ قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السَّماسم، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فرجعنا فلا والله ما خرج منّا غير رجلٍ واحدٍ، أو كما قال أبو نعيم رواه مسلم (191) (320). .
وقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا سفيانُ بن عيينة عن عمرو، سمع جابراً رضي الله عنه يقول: سمعه من النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بأُذنه يقول ((إنَّ الله يخرج ناساً من النار فيدخلهم الجنة)). رواه مسلم (191) (317).
وفي رواية له عن حمَّاد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار ((أسمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدِّث عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الله يُخرج قوماً من النار بالشفاعة؟ قال نعم)) رواه مسلم (191) (318). ، ورواه البخاري رواه البخاري (6558). .
وفي رواية له أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج قومٌ من النار بالشفاعة كأنَّهم الثَّعارير)) قلت ما الثعارير قال الضَّغابيس وكان قد سقط فمه رواه البخاري (6558) .
وقال حدَّثنا: هدبة بن خالدٍ حدثنا همَّام عن قتادة حدَّثنا أنسُ بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يخرج قومٌ من النار بعد ما مسَّهم منها سفعٌ. فيدخلون الجنة، فيسمِّيهم أهل الجنة الجهنميين)) رواه البخاري (6559) .
وقال رحمه الله تعالى حدَّثنا قتيبة بن سعيد حدَّثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يومَ القيامة؟ فقال ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوَّل منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يومَ القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)) رواه البخاري (99) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بزيادة ((أو نفسه)). .
وهذه الشفاعة الثالثة قد فسّر بها المقام المحمود أيضاً كما في حديث أنس وحديث جابر رضي الله عنهما فيكون المقام المحمود عامّاً لجميع الشفاعات التي أوتيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن جمهور المفسرين فسروه بالشَّفاعتين الأوليين لاختصاصه صلى الله عليه وسلم بهما دون غيره من عباد الله المكرمين، وأمَّا هذه الشفاعة الثالثة فهي وإن كانت من المقام المحمود الذي وعده فليست خاصة به صلى الله عليه وسلم بل يؤتاها كثيرٌ من عباد الله المخلصين ولكن هو صلى الله عليه وسلم المقدم فيها، ولم يشفع أحد من خلق الله تعالى في مثل ما يشفع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدانيه في ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، ثم بعده يشفع من أذن اللهُ تعالى له من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وسائر أولياء الله تعالى من المؤمنين المتقين، ويشفع الأفراطُ كل منهم يكرمه الله تعالى على قدر ما هو له أهل، ثم يخرج الله تعالى من النار برحمته أقواماً بدون شفاعة الشافعين، ولذا قلنا في ذلك:


وَبَعْدَهُ يَشْفَعُ كُلُّ مُرْسَلِ





وَكُلُّ عَبْدٍ ذِي صَلاَحٍ وَوَلِي


وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النِّيْرَانِ




جَمِيْعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الإِيْمَانِ


فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ يُطْرحُونَا




فَحْماً فَيَحْيَونَ وَيَنْبُتُونَا


كَأَنَّمَا يَنْبُتُ فِي هَيْئَاتِهِ




حَبُّ حَمِيْلِ السَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ


تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه في طريق الرؤية قول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ((حتَّى إذا فرغ الله تعالى من فصل القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممَّن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد ويبقى رجلٌ مقبلٌ بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولاً الجنة)) رواه البخاري (7437) ومسلم (182). . الحديث تقدم بطوله.
وتقدم حديث أبي سعيد المتفق عليه أيضاً بطوله – وفيه في نعت المرور على الصراط:  ((حتى يمر آخرهم يُسحب سحباً، فما أنتم بأشدَّ لي مناشدة في الحق، قد تبيَّن لكم من المؤمن يومئذٍ للجبار إذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله تعالى صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غار في النار إلى قدميه وإلى أنصاف ساقيه فيُخرجون من عرفوا. ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيُخرجون من عرفوا. ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيُخرجون من عرفوا – قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: 40] فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبّار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبَّةُ في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خيرٍ قدَّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) رواه البخاري (7439). . وفي لفظ مسلم ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشد مناشدة لله في استقصاء الحقِّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون ربَّنا ما بقي فيها أحَدٌ ممَّن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدَّتُم في قلبه مثقال دينار من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربَّنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا بهم. يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خير فأخرجوه، فيُخرجون كثيراً. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً، وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: إنْ لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء: 40]، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نَهْر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبَّة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض. فقالوا يا رسول الله كأنَّك ترعى بالبادية، قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللهِ الذين أدخلهم الله الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدّموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموهُ فهو لكم، فيقولون ربَّنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: ربَّنا أيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) رواه مسلم (183). .
وفيهما من حديثه أيضاً أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((يُدخل الله أهل الجنةِ الجنةَ يدخل من يشاء في رحمته ويدخل أهل النارِ النارَ. ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبَّةٍ من خردل من إيمان فأخرجوهُ، فيُخرجون منها حمماً قد امتحشوا فيُلْقَوْنَ في نهر الحياة أو الحيا فينبتون فيه كما تنبت الحبَّةُ إلى جانب السيل ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتويةً)) رواه البخاري (6560), ومسلم (184). – وفي رواية لمسلم: ((كما تنبت الغثاءة في جانب السيل)) رواه مسلم (184) (305). .
وله عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أمَّا أهل النار الَّذِين هم أهلها فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال بخطاياهم – فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أُذِنَ بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل. فقال رجلٌ من القوم: كأنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية)) رواه مسلم (185). .
وللترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: ((وعَدَنِي ربِّي أن يدخل الجنة من أُمَّتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب. مع كلُّ ألفٍ سبعون ألفاً وثلاث حثياتٍ من حثيات ربِّي)) هذا حديث حسن غريب رواه الترمذي (2437), وابن ماجه (4286), وأحمد (5/268), والطبراني (8/110), قال الترمذي هذا حديث حسن غريب, وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (16/460): إسناده قوي, وقال ابن كثير في ((التفسير)) (2/82): إسناده جيد, وصححه الألباني في ((السلسة الصحيحة)) (4/541). .
وله عن عبد الله بن شقيق قال: كنت مع رهطٍ بإيليا فقال رجلٌ منهم: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((يدخل الجنة بشفاعةِ رجل من أُمَّتي أكثر من بني تميم. قيل: يا رسول الله سواك؟ قال: سواي)) فلما قام قلت: مَنْ هذا؟ قالوا هذا ابن أبي الجدعاء. رواه الترمذي (2438), وابن ماجه (4316), وأحمد (3/469) (15895), وابن حبان (16/376), والحاكم (1/142), والدارمي (2/423), قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب, وقال الحاكم صحيح الإسناد و لم يخرجاه, ووافقه الذهبي, وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن أبي الجدعاء هو عبد الله، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد ورواه ابن ماجه.
وللترمذي أيضاً عن أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ مِنْ أُمَّتي من يشفع للفئام من الناس، منهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل. حتى يدخلوا الجنة)). هذا حديث حسن رواه الترمذي (2440), وأحمد (3/63) (11623), قال الترمذي هذا حديث حسن, وضعفه الألباني في ((ضعيف سنن الترمذي)). .
وروى أبو داود عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يخرجُ قومٌ من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويُسمَّون الجهنميين)) رواه البخاري (6566). ورواه ابن ماجه. وله عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((خُيِّرتُ بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمَّتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، ترونها للمتَّقين، لا ولكنها للمذنبين الخطَّائين المتلوَّثين)) رواه ابن ماجه (4311), قال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)): ضعيف بهذا التمام وصحيح دون قوله: ((لأنها)). وقال مقبل الوادعي في ((الصحيح المسند)) (830): رجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن أسيد. ورواه أحمد (2/75) (5452) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, قال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (7/227) والألباني في ((كتاب السنة)) (791): إسناده ضعيف, .
وله عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((أتدرون ما خيَّرني ربِّي الليلة؟ قلنا: اللهُ ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم، قال: فإنَّه خيَّرني بين أن يُدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة. قلنا: يا رسول الله ادع الله أنْ يجعلنا من أهلها. قال: هي لكلِّ مسلم)). رواه ابن ماجه (4317), وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)), وقال مقبل الوادعي في ((أحاديث معلة)) (341): سنده رجال الصحيح ولكن قال ابن خزيمة: قول سليم سمعت عوفا أخاف أن يكون وهما وقال أبو حاتم: لم يسمع سليم بن عامر من عوف بن مالك. ورواه الترمذي بلفظ ((فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يُشْرِكُ باللهِ شيئاً)) رواه الترمذي (2441), وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً مشهورة مستفيضة بل متواترة، وقد ذكرنا منها ما فيه كفاية، وتقدم في أحاديث الرؤية جملة منها عن جماعة من الصحابة، وبقي من النصوص في هذا الباب كثير، وبالله التوفيق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص 1062
ومن الشفاعات الثابتة التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم شفاعته لمن سكن في المدينة المنورة ومات بها
 وهذه الشفاعة فيها كذلك إكرام للمدينة المنورة ولمن سكن بها صابراً على لأوائها مفضلاً لها على غيرها، وقد شرفها الله بميزات عديدة ليس هنا موضع ذكرها ومن ذلك أن جعلها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاصمة الإسلام الأولى، وأنه يأرز إليها الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها رواه البخاري (1876)، ومسلم (147). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
ثم ميزها الله تعالى عن سائر البقاع بثبوت شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم لأهلها اعتناء خاصاً بهم ومزيد تشريف لها.
ومن الأدلة على ذلك ما جاء عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها, أو يقتل صيدها)), وقال: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون, لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه, ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً، يوم القيامة)) رواه مسلم (1363). .
وعن أبي سعيد مولى المهدي أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء عن المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره ألَّا صبر له على جهد المدينة ولأوائها. فقال له: ويحك لا آمرك بذلك: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً)) رواه مسلم (1374). .
وعن يُحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالساً عند عبد الله بن عمر في الفتنة فأتته مولاة له تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لكاع؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد فيموت إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة إذا كان مسلماً)) رواه مسلم (1377).  .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شهيداً يوم القيامة أو شفيعاً)) رواه مسلم (1378).  .
ومن تلك النصوص السابقة يتبين ثبوت شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة، وأنه يكون شهيداً وشفيعاً لهم.
وقد ورد الحديث بإثبات (أو)، وفي هذا إشكال؛ هل (أو) هنا جاءت لشك من الرواة، أم إنها صحيحة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون إيرادها هكذا للتقسيم؛ بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون شهيداً لبعض أهل المدينة وشفيعاً لبقيتهم، أو يكون شفيعاً للعاصين, وشهيداً للمطيعين، أو شهيداً لمن مات في حياته, وشفيعاً لمن مات بعده، أو تكون (أو) هنا بمعنى الواو، ويكون المعنى أنه يكون شفيعاً وشهيداً لهم.
وقد أجيب عن هذا الاستشكال بجواب امتدحه القاضي عياض كما نقله عنه النووي بأنه جواب مقنع يعترف بصوابه كل من وقف عليه، فقال: (سألت قديماً عن معنى هذا الحديث، ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا، مع عموم شفاعته وادخاره إياها لأمته؟ قال: وأجيب عنه بجواب شافٍ - مقنع في أوراق – اعترف بصوابه كل واقف عليه.
قال: وأذكر منه هنا لمعاً تليق بهذا الموضع؛ قال بعض شيوخنا: (أو) هنا للشك، والأظهر عندنا أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبي عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، ويبعد اتفاقهم جميعاً، أو رواتهم على الشك، وتطابقهم فيه على صيغة واحدة.
بل الأظهر أنه قاله صلى الله عليه وسلم هكذا؛ فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن يكون (أو) للتقسيم، ويكون شهيداً لبعض أهل المدينة وشفيعاً لبقيتهم: إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإما شهيداً لمن مات في حياته وشفيعاً لمن مات بعده، أو غير ذلك.
قال القاضي: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: ((أنا شهيد على هؤلاء)) رواه البخاري (1347).          ، فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزية أو زيادة منزلة وحظوة.
قال: وقد يكون (أو) بمعنى الواو؛ فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً. قال: وقد روى: ((إلا كنت له شهيداً وله شفيعاً)) رواه مسلم (1377). بلفظ: ((أو شفيعاً)) بدلاً من: ((وله شفيعاً)).     .
قال: وإذا جعلنا (أو) للشك كما قاله المشايخ؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة (شهيدا) اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيره، وإن كانت اللفظة الصحيحة (شفيعاً) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته صلى الله عليه وسلم في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح و على منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض) ((شرح النووي لمسلم)) (3/513).           .
وذكر هذه الشفاعة لساكني المدينة لا شك أنها مزية عظيمة لهم، ولكن ليس معنى هذا أن الشفاعة تعم كل من سكن المدينة على ما كان من العمل، كما قد يركن إليه بعض أهل الأماني، بل هذه المزية خاصة بمن سكن المدينة مؤمناً بالله ورسوله، عاملاً بما أوجبه الله عليه، صابراً على ما يصيبه فيها من آلام ومشاق؛ حباً فيها وتقديماً لها على غيرها؛ فهذا هو الذي يستحق مزية الاعتناء به والاهتمام بالشفاعة فيه كما أشار إليه الحديث.
أما من سكن فيها، ولم يشكر تلك النعمة؛ فأفسد فيها بما يتنافى مع حرمتها؛ فقد توعده الرسول صلى الله عليه وسلم باللعن،كما في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، قال: ((المدينة حرم, فمن أحدث فيها حدثاً, أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله, والملائكة, والناس أجمعين, لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف)) رواه مسلم (1371). .الحياة الآخرة لغالب عواجي- 1/407

>> <<
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الدرر السنية ( للتفاصيل اضغط هنا )