بحث متقدم



المبحث الثاني: شروط الشفاعة

وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً، فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41]. وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ [التوبة:114-115]. وثبت في (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله عز وجل: إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)) رواه البخاري (3350). . فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:4-5] فقد أمر الله تعالى: المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرنَّ لك فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)) رواه مسلم (976). . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) رواه مسلم (976). . وثبت عن أنس في (الصحيح) ((أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)) رواه مسلم (203). . وثبت أيضًا في (الصحيح) عن أبي هريرة: لما أنزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: ((يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عَبْد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها)) رواه مسلم (204). . وفي رواية عنه: ((يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً)) رواه البخاري (4771)، ومسلم (351). . وعن عائشة لما نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم)) رواه مسلم (205). . وعن أبي هريرة قال: ((قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء يقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) رواه البخاري (3073)، ومسلم (1831). . أخرجاه في (الصحيحين). وزاد مسلم ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) رواه مسلم (1831). . وفي (البخاري) عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار فيقول يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلغت)) رواه البخاري (1402). . وقوله هنا صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئاً كقول إبراهيم لأبيه: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ [الممتحنة:4]. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ص 7

للشفاعة شرطان، هما:
 1- الإذن من الله، لقوله: أَن يَأْذَنَ اللَّهُ.
2- رضاه عن الشافع والمشفوع له، لقوله: وَيَرْضَى، وكما قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28]، فلا بد من إذنه تعالى: ورضاه عن الشافع والمشفوع له، إلا في التخفيف عن أبي طالب، وقد سبق ذلك. وهذه الآية في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال تعالى: بعد ذكر المعراج وما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم فيه: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: 18]، أي: العلامات الدالة عليه عز وجل، فكيف به سبحانه؟! فهو أكبر وأعظم. ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم: 19، 20]، وهذا استفهام للتحقير، فبعد أن ذكر الله هذه العظمة قال: أخبروني عن هذه اللات والعزى ما عظمتها؟ وهذا غاية في التحقير، ثم قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى وَكَم مِّن مَّلَكٍ.... الآية [النجم: 21-26]. فإذا كانت الملائكة وهي في السماوات في العلو لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذنه تعالى: ورضاه، فكيف باللات والعزى وهي في الأرض؟! ولهذا قال: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ [النجم:26]، مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، ولكن أراد الملائكة التي في السماوات العلى، وهي عند الله - سبحانه -، فحتى الملائكة المقربون حملة العرش لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - 1/422
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في شرح هذين البيتين من منظومته (سلم الوصول):


كَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا





قَدْ خَصَّهُ اللهُ بِهَا تَكَرُّمَا


مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللهِ لاَ كَمَا يَرَى




كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى اللهِ افْتَرَى


قال: (كذا له) لنبينا صلى الله عليه وسلم (الشفاعة العظمى) يوم القيامة، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: 79] ولذا قلنا (قد خصه الله بها) بالشفاعة (تكرماً) منه عز وجل عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته به كما في (الصحيح) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ((أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهنَّ أَحَدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأَيَّما رجلٍ من أُمَّتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّةً وبعثت إلى الناس عامة)) رواه البخاري (335) ومسلم (521). وفيه عنه رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ((لكلِّ نبيٍّ دعوة قد دعا بها في أُمَّته، وخبأت دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة)) رواه مسلم (201). ، وفيه عن أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ((لكلِّ نبي دعوةٌ دعاها لأُمَّته، وإِنِّي اختبأت دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة)) رواه مسلم (200). . وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((لكلِّ نبيّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوته، وإِنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إِنْ شاء الله تعالى من مات من أُمَّتي لا يشرك بالله شيئاً)) رواه مسلم (199). .
وفيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عَزَّ وجَلَّ في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: 36] وقال عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 118] فرفع يديه وقال: اللهم أُمَّتي، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد – وربك أعلم – فسلْه: ما يبكيك. فأتاه جبريلُ عليه السلام فسأله، فأخبره رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما قال – وهو أعلم – فقال اللهُ تعالى: يا جبريلُ اذهب إلى محمد فقل: إِنَّا سنرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك)) رواه مسلم (202). . وفيه عنه رضي الله عنه أَنَّه سمع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ فإِنّه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإِنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سألَ الله لي الوسيلة حلَّت له الشَّفاعة)) رواه مسلم (384). .
وفيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ((من قال حين يسمع النداء: اللَّهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة)) رواه البخاري (614). .
وتلك الشفاعة لا تكون إلا من بعد إذن الله عز وجل، سواء في ذلك شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وشفاعة من دونه، وذلك الإذن يتعلق بالشافع والمشفوع فيه، وبوقت الشفاعة، فليس يشفع إلا من أذن الله له في الشفاعة، وليس له أن يشفع إلا بعد أن يأذن الله له، وليس له أن يشفع إلا فيمن أذن الله تعالى له أن يشفع فيه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: 3] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23] وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً [الزمر: 44] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 86] لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم: 87] لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً [النبأ: 38] يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً [طه: 109] وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28]، وقال تعالى في الكفار: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18]، وقال عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254]. وسيأتي في ذكر الأحاديث مراجعة الرسل الشفاعة بينهم حتى تنتهي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم وأنه يأتي فيستأذن ربه عز وجل، ثم يسجد ويحمده بمحامد يعلمه تعالى إياها، ولم يزل كذلك حتى يؤذن له ويقال: ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع، وأنه يحد له حداً فيدخلهم الجنة ثم يرجع كذلك، وفي كل مرة يستأذن ويدعو حتى يؤذن له ويحد له حداً حتى ينجو جميع الموحدين، وهكذا كل شافع بعده يسأل الشفاعة من مالكها حتى يؤذن له، إلى أن يقول الشفعاء لم يبق إلا من حبسه القرآن وحق عليه الخلود. والمقصود أن الشفاعة ملك لله عز وجل ولا تسأل إلا منه، كما لا تكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة.
 (لا كما يرى كل قُبُوري) نسبة إلى القبور لعبادته أهلها (على الله افترى) في ما ينسبه إلى أهل القبور ويضيفه إليهم من التصرفات التي هي ملك لله عز وجل لا يقدر عليها غيره تعالى ولا شريك له فيها، ورتبوا على ذلك صرف العبادات إلى الأموات ودعاءهم إياهم والذبح والنذر لهم دون جبار الأرض والسموات، وسؤالهم منهم قضاء الحاجات ودفع الملمات، وكشف الكربات والمكروهات معتقدين فيهم أنهم يسمعون دعاءهم ويستطيعون إجابتهم. وقد تقدم كشف عوارهم وهتك أستارهم بما يشفي ويكفي ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص 1062
>> <<
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الدرر السنية ( للتفاصيل اضغط هنا )