قراءة وتعريف

طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام
book
محمد عمارة
عنوان الكتاب: طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام
الناشر: مجلة الأزهر - هدية شهر ذي القعدة 1435هـ.
سنة الطبع: 1435هـ
عدد الصفحات: 192


التعريف بموضوع الكتاب
كثيرون هم الكُتَّاب والمفكِّرون الذين أثاروا الجدلَ حول ما قدَّموا من أفكار، لكن طه حسين كاد ينفرد بأنَّ كل حياته الفكريَّة - التي جاوزت نِصف قرن - قد كانت بكاملها معركةً فكريَّة شديدةً وعنيفة حول ما قدَّمه الرجل من أفكار وآراء! بل إنَّ الكثيرَ من أفكاره وآرائه لا تزالُ مثيرةً للجَدَل إلى يومِنا هذا، وبعدَ موتِه بثلاث عقود من الزَّمَن!
وكتاب هذا الأسبوع جاء ليتلمَّس التطوُّرَ الفكري الذي مرَّ به طه حسين على امتداد عمره الفِكري، ويتتبع تلك التطورات، وأيضًا المتناقضات التي مثَّلت مخاضًا فكريًّا طويلًا وعميقًا.

بدأ المؤلِّف الكتاب بـ(بطاقة حياة) لطه حسين، فيها عرضٌ موجَز لحياته، وهي على وجازتها إلَّا أنها أرَّخت لأهمِّ الأحداث الحياتيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة لطه حسين، منذ ولادته، وبداياته التعليميَّة، وشيوخه، ودِراسته بالأزهر، وارتباطاته الحزبيَّة، ومواقفه السياسيَّة، مرورًا بسفره لفرنسا، وزواجه من امرأة فرنسيَّة.
وأهمُّ ما اشتملتْ عليه هذه البطاقةُ الوجيزة: ذِكْر المؤلِّف لأهمِّ إنتاج طه حسين الفِكري وأبرزه، مؤرِّخًا لكلِّ كتاب بتاريخ نشره؛ ممَّا له أكبر فائدة في تتبُّع هذا التطوُّر الفكري لطه حسين.
ثم عَرَضَ في فصل موجز عَنْوَنه بــ ــــــــــــ(لماذا هذا الكتاب) أكَّد فيه أنَّ رسالة هذا الكتاب هي: إنصاف طه حسين من أنصاره وخصومه جميعًا.

وقد أراد المؤلِّف من هذا الكتاب شيئًا مهمًّا، وهو سحب البساط من تحت أقدام أسرى التغريب والعلمانيَّة والغزو الفِكري الذين يتمسَّحون بهالات طه حسين، كأنَّه يقول لهم: اتَّقوا الله قبل أن تَندموا؛ فهذا أستاذُكم عادَ ورجَع، فلا تنسبوا إليه شيئًا ممَّا رجَع عنه، وعودوا أنتم أيضًا قبل فوات الأوان. كما أراد أن يتعلَّم الإسلاميُّون المنهاجَ العِلمي في دراسة تاريخ الأفكار، فيستردُّون الرموز بدَلَ التفريط فيها ..


وقد جاء الكتاب مليئًا بنصوص طه حسين، خاصَّة تلك النصوص التي مثَّلت نماذج مراحله الفكريَّة، وقضايا هذه المراحِل التي أثارتِ الجدل الشديد، وشغَلت الناس بطه حسين، وهذه المراحِل التي توزعتْها حقب أربعة تُعدُّ هي فصول الكتاب:

أُولاها:   بداياته الفكريَّة قبل السَّفر إلى فرنسا سنة 1914م..وعَنون لها المؤلف بـ: مرحلة الشيخ طه (1908-1914 م).

تكلم فيها عن تردُّد طه حسين بين مذهب (حزب الأمَّة) ومفكِّره أحمد لطفي السيِّد، الذي يدعو إلى الوطنية المصريَّة الرافضة للعروبة القوميَّة والانتماءِ الحضاري الإسلامي، وبين اتجاه (الحزب الوطني) حزب مصطفى كامل باشا، الذي كان يقوده يومئذٍ بمصر الشيخُ عبد العزيز جاوييش، ذو الهوية الإسلاميَّة، والمدافع عن الجامعة الإسلاميَّة، فكان طه حسين في السياسة مع (حزب الأمة)، وفي (الفِكر الإسلامي مع (الحزب الوطني).
وفي هذه المرحلة يرفض طه حسين العلمانيَّة، بل يذهب إلى ضرورة التزام المسلمين بنشْر الإسلام والتوحيد ومحو الشرك، وعندما يكتُب عن إصلاح أحوال المرأة يُعلن أنَّ معايير هذا الإصلاح هي ثوابت الدِّين.

وثانيتها:   المرحلة التي عاد فيها من فرنسا (مبهورًا) بالغرب، التي امتدَّت لتشمل حِقبة العشرينيَّات من القرن العشرين (1919- 1930 م).
وهي مرحلة المعارك الفكريَّة الشديدة، وأهم هذه المعارك:  
معركة عَلمنة الإسلام، وعلاقة طه حسين بكتاب (الإسلام وأصول الحُكم) لعلي عبد الرازق، الذي قال فيه طه حسين: (لقد قرأتُ كتاب الشيخ علي (الإسلام وأصول الحكم) قبل طبعه ثلاثَ مرَّات، وعدَّلت فيه كثيرًا).
وقد ذكَر المؤلف عددًا من القرائن التي تُحدِّد الجانب الذي أسهم به طه حسين في كتاب (الإسلام وأصول الحكم)، وأنَّه القسم الخاص (بجعل الشريعة الإسلامية رُوحيَّةً محضه، لا علاقة لها بالحُكم والتنفيذ في أمور الدنيا).  

ومن هذه القرائن:  أنَّ الشيخ علي عبد الرازق كان دائمَ الإعلان عن أنَّ هذا الرأي ليس رأيَه، وقد كتب مقالًا تحت عنوان (الاجتهاد في الإسلام) أكَّد فيه أنَّ عبارة (إنَّ رسالة الإسلام رُوحانيَّة فقط) لم تكُن رأيَه يوم نشَر الكتاب، وأنَّها عبارة ألْقاها الشيطان على لسانه!
ومن أهمِّ هذه القرائن:  أنَّ هذه الفكرة، وهذا الرأي هو رأي طه حسين نفْسه في كتاباته في هذه الحِقبة، وغيرها من القرائن.
ومن المعارك الشديدة أيضًا في هذه الحِقبة: معركة العدوان على المقدَّسات، التي تمثَّلت في كِتابه (في الشِّعر الجاهلي) المنشور 1926م، وهي معركة مشهورة معروفة، وقد ردَّ عليه كثيرون منهم: الشيخ محمد الخضر حسين، والأستاذ محمد فريد وجدي.

ثالثتها:   تلك المرحلة التي امتدَّت من بدايات الثلاثينيَّات، وحتى قيام ثورة يوليو سنة 1952م، وهي مرحلة الإياب التدريجي، والمخاض الحافل بالتناقُضات لطه حسين (1932-1952م).
وأهمُّ معالمها خُلوُّ كتاباته من أيَّة إساءة إلى الإسلام، والتوجُّه إلى الكتابة في الإسلاميَّات، فكتب كتابه على (هامش السِّيرة) بأجزائه الثلاثة (1933: 1938)، قدَّم فيه مقالًا في العقل مثَّل تطورًا كبيرًا وحاسمًا إزاءَ موقفه القديم، وفيه دعَا إلى إصلاح العقل بالمعجزة القرآنيَّة التي يفهمها العقلُ فلا يستطيع إنكارها، ويُكْبرها فلا يستطيع عليها تمردًا ولا طغيانًا.
وفي سنة 1933 خاض بفروسية وشجاعة مبهِرة، معركةً شرسة ضدَّ التنصير والمنصِّرين، فكتَب ستَّة مقالات ضدَّ زلزال التنصير، هي: (عدوان)، (هزل)، (حزم)، (فتنة)، (توفيق)، ((تجن))، في صحيفة (كوكب الشرق) بتواريخ 10، 12، 16، 18، 19، 25 يونية 1933م.

ومن أهمِّ معالِم هذه المرحلة كذلك: كلامُه حولَ دعوة الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب، وهي كلماتُ ذات وقْع، يجدُر الوقوف عندها؛ لِمَا نراه من بعض المتمسِّحين بطه حسين ممَّن ينقُد وينتقد هذه الدعوة، حيث قال في مجلة الهلال، عدد مارس لعام 1933م: (إنَّ مذهب محمَّد بن عبد الوهَّاب جديدٌ قديم معًا، جديد بالنسبة للمعاصرين، ولكنَّه قديمٌ في حقيقة الأمر؛ لأنَّه ليس إلَّا الدعوة القويَّة إلى الإسلام الخالِص النقي المطهَّر من كلِّ شوائب الشرك والوثنيَّة، هو الدعوةُ إلى الإسلام كما جاء به النبيُّ، خالصًا ممَّا أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرَب؛ فقد أنكر محمد بن عبد الوهَّاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهليَّة في العقيدة والسِّيرة، كانوا يُعظِّمون القبورَ ويتَّخذون الموتى شفعاءَ، ويُعظِّمون الأشجارَ والأحجار ويرَون أنَّ لها من القوة ما ينفع وما يضرُّ.
ثم قال: ومن الغريب أنَّ ظهور هذا المذهب الجديد في نجد قد أحاطتْ به ظروفٌ تُذكِّر بظهور الإسلام في الحجاز؛ فقد دعا صاحبُه إليه باللِّين أولَ الأمر فتبِعه بعضُ الناس، فلمَّا أَظهر دعوتَه أصابه الاضطرابُ وتعرَّض للخطر، ثم أخَذ يعرِض نفْسَه على الأمراء ورؤساء العشائر كما عرَض النبيُّ نفْسَه على القبائل، ثم هاجر إلى الدِّرعية وبايعه أهلُها على النصر، كما هاجَر النبيُّ إلى المدينة، ولكن ابن عبد الوهاب لم يُرِدْ أن يشتغلَ بأمور الدنيا، فترك السياسةَ لابن سعود، واشتغل هو بالعِلم والدِّين، واتَّخذ السياسةَ وأصحابَها أداةً لدعوته...

ولولا أنَّ الترك والمصريِّين اجتمعوا على حرْب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوَّة وأسلحةٍ لا عهدَ لأهل البادية بها، لكان من المرجوِّ جدًّا أن يوحِّد هذا المذهبُ كلمةَ العرب في القرن الثاني عشر للهجرة، كما وحَّد ظهورُ الإسلام كلمتَهم في القرن الأوَّل، ولقد ترَك هذا المذهبُ أثرَه في الحياة العقليَّة والأدبيَّة عند العرب، وكان هذا الأثر عظيمًا خطيرًا في نواحٍ مختلفة؛ فهو قد أيقظ النفسَ العربية، ووضع أمامها مثلًا أعْلى أحبَّتْه، وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم واللِّسان، وهو قد لفَت المسلمين جميعًا، وأهلَ العراق والشام ومصر بنوعٍ خاصٍّ إلى جزيرة العرب، ولقد استدعى الصِّراعُ الفكري بين الوهابيِّين وخصومهم الرجوعَ إلى كتُب التراث ونشْر الرسائل والكتُب التي يُؤيِّد بها كلُّ فريق مذهبَه، فنُشِرت كتُب ابن تيمية وابن القيِّم، واستفاد العالم العربيُّ كله من هذه الحركة العقليَّة الجديدة) أ.هـ

وكذلك في هذه الحِقبة المهمة كتَب الكثيرَ من المقالات التي تُناقِض ما جاء في كتاب (الإسلام وأصول الحُكم)، وما جاء كذلك في كتاب (مستقبل الثقافة في مصر)، اللَّذين يتغنَّى بهما أنصارُه ومريدوه والمتعصِّبون له، فقال في (مجلة الهلال-ديسمبر 1940م): (فالدِّين الإسلامي كان وسيكون دائمًا أساسَ الحياة الخُلقية للأمَّة الإسلاميَّة، وقد كان في عصر طويل أساسَ الحياة السياسيَّة والعلميَّة لهذه الأمة أيضًا، وهو الآن وسيكون دائمًا أساسًا لهذه الحياة السياسيَّة والعلميَّة إلى حدٍّ بعيد).

ويقول في (مسامرات الجيب 1947) متحدِّثًا عن أبطال الإسلام الذين عايشهم في إسلامياته: (وليست الخلوةُ إلى النفس شيئًا ميسرًا، وأكاد أعتقد أنِّي لا أظفر بها إلا نادرًا، وإنما الخلوة إلى النَّفس عندي هي أنْ أخلوَ إلى كتاب، فأُعاشِرَ قومًا لا عهد لي بهم، وقد عاشرتُ أثناء هذه الرحلة قومًا أُحبُّ عشرتهم أشدَّ الحب، وهم أولئك الذين نشَروا في الأرض نورَ الإسلام، وأقاموا فيها مجدَ العرَب).

رابعتها:   مرحلة الإياب الفِكري الصريح والحاسم إلى أحضان العروبة والإسلام (1952-1960م):
وفيها ظهرت تحوُّلات في فِكر طه حسين أكثرَ فأكثرَ نحو العروبة والإسلام، ومن أبرز هذه التحولات:

- تأكيدُه على حاكميَّة القرآن.

- والانتقال من الفِرعونيَّة إلى العروبة التي صاغَها الإسلام.
- وثناؤه على العلماء المجدِّدين الذين (حاولوا أن يُعمِلوا عقولهم، ويُثبتوا شخصيتَهم، وينشروا النور من حولهم.... ثم قال: وانظر إن شئتَ سِيرة ابن تيمية وما أصابه ...)، في حين يرى المتعصِّبون لطه حسين أنَّ ابن تيمية رأسُ الجمود، بل والإرهاب!
- وزيارته لأرض الحجاز 1955م، وما حصَل فيها من أجواء إيمانية، وقد سُئل فيها عن إحساسه في هذه اللحظات، وعن الدعاء الذي دعا به ربَّه؟ فردَّ قائلًا: (أُوثر أن يُترك الجواب على هذين السؤالين لِمَا بين الله وبيني من حِساب، وإنَّه لعسير. أرجو أن يجعلَ اللهُ من عسره يُسرًا).
- وعندما طلَب زيارة المسجد النبوي، وكان الطريق البري مُغلَّقًا لأجل السيول، صمَّم على الذهاب ولو بالطائرة - وهو لا يركب الطائرة أبدًا -، وعندما طلب منه رفيقُه أمين الخولي أن يؤجِّل الزيارة قال له: (لن أغفرَ ذلك لنفسي أبدًا).
- وقال عند الزيارة للمسجد النبوي: (صليت في المسجد النبوي، وشعرتُ بسمو رُوحي، ووددتُ أنْ لا أبرحَ المسجد، أتابع صلاة الظهر بصلاة العَصر، فلا أُريد غِذاءً ولا طعامًا ولا شرابًا).
- و كتابة كِتابه (مرآة الإسلام) 1959م، الذي يكشف فيه عن ألوانٍ من إعجاز النظم القرآني.
- ثم ختَم بكتابه (الشيخان) 1960م.

ومِن الجدير بالذكر أنَّ طه حسين أوصى أن يُحفَر على القبر الذي دُفن فيه هذا الدُّعاءُ النبويُّ - الذي كان أثيرًا إلى قلبه، قريبًا من لسانه -:  
((اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض ومَن فيهنَّ، ولك الحمد، أنت قيُّوم السموات والأرض، ولك الحمد، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهنَّ، أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ، والجَنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، والساعة حقٌّ، والنبيُّون حقٌّ، اللهمَّ لك أسلمتُ، وعليك توكلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي لا إله إلَّا أنتَ)) .

هذا ما ذكره المؤلف أ.د محمد عمارة في كتابه هذا عن الدكتور طه حسين وقد أفضى الرجل إلى ربه وهو يتولى السرائر.